Home

تأمل الأحد الرابع من الصوم ” أحد القديس يوحنا السلّمي”

26 March 2017 Carême Father Gerard Abi Saab


تأمل

تأمل الأحد الرابع من الصوم ” أحد القديس يوحنا السلّمي”مرقس ٩| ١٧-٣١

“هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم”

في الأحد الرابع من الصوم، رتّبتِ الكنيسةُ المقدّسة تذكاراً للقدّيس يوحنا السلَّمي كاتب سلّم الفضائل. وتعرض لنا فيه النموذج الرهباني النسكيّ. لذلك تقرأ لنا النصّ الإنجيليّ الذي يؤكّد على ضرورة وفرادة الفضائل النسكية أي الصوم والصلاة في حياة المسيحيّ المؤمن.

فبعد أن أقمنا في الأحد الأول والأحد الثاني من الصوم تذكاراتٍ عقائديّةً، للأرثوذكسيّة وللقدّيس غريغوريوس بالاماس، وللذخائر المقدسة ،أي لاستقامة الرأي والرؤية، تضع الكنيسةُ الصليبَ كأداة تنـزيل الرؤيا والرأي إلى حَيِّز العمل. وبعدها، هذا الأحد نحيا مع مثالَين للعمل في الصلاة والصوم والتوبة الحقيقيّة، في مثالي القدّيسين يوحنا السلمي ومريم المصريّة.

قد تبدو كلّ من الصلاة والصوم فنوناً رهبانيةً ليست للجميع، بالرغم من أنّ الكنيسة تؤكد أنّها لكلّ مسيحيٍّ. وإذا كانت الجماعات الرهبانية تمارس هاتين الفضيلتين بأسلوبٍ ما، فإنّ المسيحيّ أينما كان، عليه ألاّ يرمي هذين السلاحَين أو يتخلّى عن نعمتهما، لأنّ النصّ الإنجيليّ واضحٌ ويؤكّد أنّ حربنا القائمة “مع أرواح الشرّ التي في الجوّ” كما يقول بولس الرسول، لا يمكن أن تصل إلى نهايتها الظافرة إلا بالصوم والصلاة. لذلك إذا تعذّرت على المسيحيّ – الذي لا يحيا في بيئةٍ رهبانيةٍ وأديارٍ – بعضُ الممارسات، عليه أن يبتكر لذاته الأساليب المناسبة، بحيث لا يغدو أقلّ جهاداً في هذه الحرب الروحيّة. وهذا يحتاج إلى فهمٍ عميقٍ وواعٍ للصوم والصلاة، لكي يتقن هذين الفنَّين إلى درجة الاحتراف ولو بأساليب مغايرة.

الرباط الذي يشدّد عليه الإنجيل، والزيجة التي يعقدها، بين الصوم والصلاة قائمةٌ على البنيان النفس- جسداني للإنسان. فالإنسان يمارس عبادته لله بكلّ كيانه ولذلك فإنَّ دعامتي الحياة الروحيّة هما الصلاة والصوم. الصلاة هي “صوم الذهن”، كما أنّ الصوم هو “صلاة الجسد”.

الصلاة كما يعرّفها القدّيس يوحنا السلمي هي “العشْرة مع الله”، أي تثبيت الذهن في التأمّل بالله والهذيذ بالكلمة الإلهيّة. لذلك فإنَّ عدوّ الصلاة هو الأفكار التي تسرق صفاءها. الأفكار المتعددة، والمخيلة، هي أطعمةٌ لذيذةٌ ولو كانت غاشة للذهن البشريّ. إنّ قطع هذه الأفكار أصعب من بتر الأعضاء. وهنا يمارس المؤمن “صوم الأفكار” حين يعرف أنّ ذهنه لا يحيا إلاّ على الخبز السماويّ، أي فهم الكلمة الإلهيّة، بحيث أنّه يرمي جانباً كلّ فكرٍ أرضيٍّ، حين ننتخب لذهننا الأفكار الصياميّة الصالحة ونحيا عليها فقط. لذلك فإنَّ رياضة الصلاة تقودنا إلى إضعاف الأفكار الجسدانية وحينها يصوم الذهن عن بعض الأفكار باختياره الأفكار الصالحة.

كذلك فإنَّ الصوم هو “صلاة الجسد”. فكما يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس إنَّ الكتاب يتكلّم عن “صراخ دم هابيل المقتول إلى الله”، هكذا “الأعضاء الصائمة والتعِبة تصرخ بدالّةٍ مع الروح إلى الربّ”. يستطيع الإنسان أن يصلّي بأعضاء جسده، بالصوم إذاً يضع الإنسانُ أعضاءَه وجسدَه أيضاً في حالة صلاةٍ دائمة.

بالصوم، يختار الإنسان المآكل التي تناسبه، تلك التي لا تقوم على ذهنيّةٍ جسديّةٍ ولكن على أنّ الإنسان يحيا بالكلمة الخارجة من فم الله. بالصوم يُعلن الإنسان لذاته بواسطة جوع جسده أنّه يحيا لا لذاته بل لله. فيعرِّف لنفسه غناها ومطلبها وغايتها. عن طريق الجسد نصير فقراء إلى الروح، ونفتقر إلى المسيح المأكل الحقيقيّ والمشرب الحيّ.

للإنسان الجائع، يصير جسدُه منبِّهاً مرافقاً له يذكّره بغاية حياته، وبحضرة الله فيها. هكذا الجوع هو صلاةٌ للجسد صامتة. كما يصلّي الذهن بالكلمات يصلّي الجسدُ بالجوع الاختياريّ. الجوع صلاة الجسد، كما الكلمات هي صلاة الذهن.

وكذلك في الصلاة، نصوم عن الأفكار ونحدّد عن طريق الذهن أنّنا نفتقر إلى الكلمة الإلهيّة مُعرِضين عن سواها لأنّ الربّ هو الغذاء الحيّ والمنّ الحقيقيّ للذهن البشريّ.

إنسانٌ حصّن ذهنه بالصلاة وجسده بالأصوام هو كالبيت الذي تُطرد منه الشياطين فيصبح نظيفاً، ويصير بيتاً لله وهيكلاً للروح.

لذلك جهاد السعي إلى الفصح ومعاينة الله، لا بدّ أن يقوم على هاتين الفضيلتين: الصلاة كصومٍ للذهن، والصوم كصلاةٍ للجسد. آميــن.
الأب جيرار أبي صعب

الأحد الرابع من الصوم ” أحد القديس يوحنا السلّمي”مرقس ٩| ١٧-٣١

“هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم”

في الأحد الرابع من الصوم، رتّبتِ الكنيسةُ المقدّسة تذكاراً للقدّيس يوحنا السلَّمي كاتب سلّم الفضائل. وتعرض لنا فيه النموذج الرهباني النسكيّ. لذلك تقرأ لنا النصّ الإنجيليّ الذي يؤكّد على ضرورة وفرادة الفضائل النسكية أي الصوم والصلاة في حياة المسيحيّ المؤمن.

فبعد أن أقمنا في الأحد الأول والأحد الثاني من الصوم تذكاراتٍ عقائديّةً، للأرثوذكسيّة وللقدّيس غريغوريوس بالاماس، وللذخائر المقدسة ،أي لاستقامة الرأي والرؤية، تضع الكنيسةُ الصليبَ كأداة تنـزيل الرؤيا والرأي إلى حَيِّز العمل. وبعدها، هذا الأحد نحيا مع مثالَين للعمل في الصلاة والصوم والتوبة الحقيقيّة، في مثالي القدّيسين يوحنا السلمي ومريم المصريّة.

قد تبدو كلّ من الصلاة والصوم فنوناً رهبانيةً ليست للجميع، بالرغم من أنّ الكنيسة تؤكد أنّها لكلّ مسيحيٍّ. وإذا كانت الجماعات الرهبانية تمارس هاتين الفضيلتين بأسلوبٍ ما، فإنّ المسيحيّ أينما كان، عليه ألاّ يرمي هذين السلاحَين أو يتخلّى عن نعمتهما، لأنّ النصّ الإنجيليّ واضحٌ ويؤكّد أنّ حربنا القائمة “مع أرواح الشرّ التي في الجوّ” كما يقول بولس الرسول، لا يمكن أن تصل إلى نهايتها الظافرة إلا بالصوم والصلاة. لذلك إذا تعذّرت على المسيحيّ – الذي لا يحيا في بيئةٍ رهبانيةٍ وأديارٍ – بعضُ الممارسات، عليه أن يبتكر لذاته الأساليب المناسبة، بحيث لا يغدو أقلّ جهاداً في هذه الحرب الروحيّة. وهذا يحتاج إلى فهمٍ عميقٍ وواعٍ للصوم والصلاة، لكي يتقن هذين الفنَّين إلى درجة الاحتراف ولو بأساليب مغايرة.

الرباط الذي يشدّد عليه الإنجيل، والزيجة التي يعقدها، بين الصوم والصلاة قائمةٌ على البنيان النفس- جسداني للإنسان. فالإنسان يمارس عبادته لله بكلّ كيانه ولذلك فإنَّ دعامتي الحياة الروحيّة هما الصلاة والصوم. الصلاة هي “صوم الذهن”، كما أنّ الصوم هو “صلاة الجسد”.

الصلاة كما يعرّفها القدّيس يوحنا السلمي هي “العشْرة مع الله”، أي تثبيت الذهن في التأمّل بالله والهذيذ بالكلمة الإلهيّة. لذلك فإنَّ عدوّ الصلاة هو الأفكار التي تسرق صفاءها. الأفكار المتعددة، والمخيلة، هي أطعمةٌ لذيذةٌ ولو كانت غاشة للذهن البشريّ. إنّ قطع هذه الأفكار أصعب من بتر الأعضاء. وهنا يمارس المؤمن “صوم الأفكار” حين يعرف أنّ ذهنه لا يحيا إلاّ على الخبز السماويّ، أي فهم الكلمة الإلهيّة، بحيث أنّه يرمي جانباً كلّ فكرٍ أرضيٍّ، حين ننتخب لذهننا الأفكار الصياميّة الصالحة ونحيا عليها فقط. لذلك فإنَّ رياضة الصلاة تقودنا إلى إضعاف الأفكار الجسدانية وحينها يصوم الذهن عن بعض الأفكار باختياره الأفكار الصالحة.

كذلك فإنَّ الصوم هو “صلاة الجسد”. فكما يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس إنَّ الكتاب يتكلّم عن “صراخ دم هابيل المقتول إلى الله”، هكذا “الأعضاء الصائمة والتعِبة تصرخ بدالّةٍ مع الروح إلى الربّ”. يستطيع الإنسان أن يصلّي بأعضاء جسده، بالصوم إذاً يضع الإنسانُ أعضاءَه وجسدَه أيضاً في حالة صلاةٍ دائمة.

بالصوم، يختار الإنسان المآكل التي تناسبه، تلك التي لا تقوم على ذهنيّةٍ جسديّةٍ ولكن على أنّ الإنسان يحيا بالكلمة الخارجة من فم الله. بالصوم يُعلن الإنسان لذاته بواسطة جوع جسده أنّه يحيا لا لذاته بل لله. فيعرِّف لنفسه غناها ومطلبها وغايتها. عن طريق الجسد نصير فقراء إلى الروح، ونفتقر إلى المسيح المأكل الحقيقيّ والمشرب الحيّ.

للإنسان الجائع، يصير جسدُه منبِّهاً مرافقاً له يذكّره بغاية حياته، وبحضرة الله فيها. هكذا الجوع هو صلاةٌ للجسد صامتة. كما يصلّي الذهن بالكلمات يصلّي الجسدُ بالجوع الاختياريّ. الجوع صلاة الجسد، كما الكلمات هي صلاة الذهن.

وكذلك في الصلاة، نصوم عن الأفكار ونحدّد عن طريق الذهن أنّنا نفتقر إلى الكلمة الإلهيّة مُعرِضين عن سواها لأنّ الربّ هو الغذاء الحيّ والمنّ الحقيقيّ للذهن البشريّ.

إنسانٌ حصّن ذهنه بالصلاة وجسده بالأصوام هو كالبيت الذي تُطرد منه الشياطين فيصبح نظيفاً، ويصير بيتاً لله وهيكلاً للروح.

لذلك جهاد السعي إلى الفصح ومعاينة الله، لا بدّ أن يقوم على هاتين الفضيلتين: الصلاة كصومٍ للذهن، والصوم كصلاةٍ للجسد. آميــن.
الأب جيرار أبي صعب


Share