Home

القديسة جان دارك

29 May 2017 Saints


من هي القدّيسة جان دارك؟

‎هي قديسة شابة عاشت في أواخر القرون الوسطى
‎وتوفيت عام ١٤٣١ عن عمر ١٩ سنة

‎هذه القديسة الفرنسية المذكورة أقوالها مراراً في تعليم الكنيسة الكاثوليكية فهي شابة من الشعب، علمانية ومكرستة في البتولية، متصوفة متفانية ليس في الدير وإنما وسط الوقائع الأكثر تأثيراً في الكنيسة والعالم في زمانها. مثال نموذجي من بين هؤلاء “النساء القويات” اللواتي في أواخر القرون الوسطى حملن بلا خوف نور الإنجيل العظيم في تقلبات التاريخ المعقدة
‎في تلك الحقبة، كانت الكنيسة تعيش الأزمة الكبيرة المتمثلة في الانشقاق الغربي العظيم الذي دام حوالي ٤٠ سنة

‎وعندما ولدت جان سنة١٤١٢، كان هناك البابا ومناهضان للبابا. إضافة إلى هذه الشرذمة ضمن الكنيسة، كانت الحروب الأهلية مستمرة بين الشعوب المسيحية الأوروبية، وكانت أكثرها مأساوية حرب المئة عام الطويلة بين فرنسا وإنكلترا
‎ولدت جان في دومريمي، وهي قرية صغيرة تقع على الحدود بين فرنسا ولورين. كان والداها مزارعين غنيين ومعروفين لدى الجميع بأنهما مسيحيان صالحان. تلقت منهما تربية دينية جيدة، وتأثرت بشدة بروحانية اسم يسوع التي علمها القديس برناردين السييني ونشرها الفرنسيسكان في أوروبا. مع اسم يسوع، يتحد دوماً اسم مريم. وبالتالي، وفي إطار التدين الشعبي، فإن روحانية جان كانت متمحورة بشدة حول المسيح ومريم. فمنذ طفولتها، أظهرت محبة ورأفة عظيمتين تجاه الفقراء والمرضى وجميع المتألمين في سياق الحرب المأساوي.

‎نضجت حياة جان الدينية بالخبرة ابتداءً من الثالثة عشرة من عمرها. فمن خلال “صوت” رئيس الملائكة القديس ميخائيل، شعرت بدعوة الرب لها إلى تعزيز حياتها المسيحية وإلى تكريس ذاتها شخصياً لتحرير شعبها. فكانت استجابتها الفورية أي “قبولها” عبارة عن نذر البتولية، مع التزام جديد مع الله بالصلاة: المشاركة اليومية في القداس، الاعتراف والمناولة بشكل دائم، وفترات طويلة من الصلاة الصامتة أمام المصلوب أو أمام صورة العذراء. كما أن حنو الفلاحة الفرنسية الشابة والتزامها أمام آلام شعبها أصبحا أقوى بفضل علاقتها السرية مع الله. فقد كانت العلاقة بين التجربة السرية والمهمة السياسية أحد الجوانب الأكثر فرادة في قداسة هذه الشابة. بعد سنوات الحياة الخفية والنضج الروحي، جاءت فترة السنتين الوجيزة وإنما الباهرة من حياتها العامة: سنة من العمل، وأخرى من الألم
في مطلع العام ١٤٢٩،بدأت جان عملها التحريري.
الشهادات المتعددة تظهر لنا هذه الشابة التي كانت تبلغ من العمر 17 عاماً فقط بمظهر المرأة القوية والمصممة، والقادرة على إقناع الناس الخائفين والمحبطين. بعد تخطي كل العراقيل، التقت بالملك شارل السابع الذي أخضعها في بواتييه لامتحان أجراه بعض اللاهوتيين من الجامعة. وجاء حكمهم إيجابياً، فلم يجدوا شراً فيها، وعرفوا فقط أنها مسيحية صالحة
في ٢٢ آذار ١٤٢٩، أملت جان كلمات رسالة مهمة إلى ملك إنكلترا ورجاله الذين كانوا يحاصرون مدينة أورليان. كانت رسالتها اقتراح سلام حقيقي في العدالة بين الشعبين المسيحيين، على ضوء اسمي يسوع ومريم، لكن هذا الاقتراح رُفض، وكان ينبغي على جان أن تكرس نفسها للكفاح من أجل تحرير المدينة. وتمثلت اللحظة الأخرى الهامة في عملها السياسي في تتويج الملك شارل السابع في ريمز بتاريخ ١٧ تموز ١٤٢٩طيلة سنة كاملة، عاشت جان مع الجنود منجزة بينهم رسالة فعلية من الكرازة الإنجيلية. ورأت جان يسوع كـ “ملك السماء والأرض”. وطلبت جان أن تُرسم على رايتها صورة “ربنا الذي يساند العالم” كأيقونة رسالتها السياسية. كثيرة هي الشهادات عن صلاحها وشجاعتها وطهارتها الاستثنائية

الجميع كانوا يسمونها وهي كانت تصف ذاتها بـ “البكر” أي العذراء
بدأت آلام جان في ٢٣ أيار ١٤٣٠ عندما وقعت أسيرة في أيدي أعدائها. في 23 كانون الاول، اقتيدت إلى مدينة روان. هناك، أجريت محاكمة الإدانة الطويلة والمأساوية انتهت في٣٠ أيار ١٤٣١بالإعدام حرقاً. كانت محاكمة كبيرة ورسمية ترأسها قاضيان كنسيان هما الأسقف بيار كوشون والمحقق جان لوميستر، وأدارتها فعلياً جماعة كبيرة من اللاهوتيين جامعة باريس الشهيرة الذين شاركوا في المحاكمة كمستشارين. كانوا كهنة فرنسيين تتعارض ميولهم السياسية مع جان، وكان حكمهم سلبياً على شخصها ورسالتها. تشكل هذه المحاكمة صفحة مؤثرة في تاريخ القداسة، وصفحة نيرة حول سر الكنيسة التي هي “في الوقت عينه مقدسة وبحاجة دائمة إلى التطهر”، وفقاً لكلمات المجمع الفاتيكاني الثاني (نور الأمم، 8 ). إنه اللقاء المؤثر بين هذه القديسة ومحاكميها الذين كانوا كهنة. اتهمت جان وحوكمت من قبلهم لدرجة أنها أدينت بالزندقة وأرسلت إلى موت المحرقة الرهيب. خلافاً للاهوتيين القديسين الذين أناروا جامعة باريس كالقديس بونافنتورا، والقديس توما الأكويني، والمبارك دونز سكوتوس
هذان القاضيان كانا لاهوتيين يفتقران إلى المحبة والتواضع لرؤية عمل الله في هذه الشابة. هنا، تتبادر إلى الذهن كلمات يسوع التي بموجبها تنكشف أسرار الله لمن يتمتع بقلب طفل، وتُحجب عن الحكماء والاذكياء غير المتواضعين (لو 10، 11). كان محاكما جان عاجزين تماماً عن فهمها ورؤية جمال روحها: لم يعرفا أنهما يدينان قديسة. رفضت المحكمة مطالبة جان بتدخل البابا في ٢٤ايار. وفي صباح ٣٠ أيار تناولت القربان المقدس للمرة الأخيرة في السجن، وبعدها اقتيدت سريعاً إلى التجربة الأليمة في ساحة السوق القديمة

طلبت من أحد الكهنة أن يضع أمام المحرقة صليب الزياح. وهكذا، ماتت وهي تنظر إلى يسوع المصلوب وتلفظ اسم يسوع مراراً بصوت عال وبعد حوالي ٢٥ عاماً، توصلت محكمة بطلان الحكم التي افتتحت في ظل سلطة البابا كاليكستوس الثالث، إلى حكم رسمي أعلن إبطال الإدانة. هذه المحاكمة الطويلة التي تتضمن أقوال الشهود وأحكام العديد من اللاهوتيين التي تؤيد كلها جان، تسلط الضوء على براءتها وأمانتها المثالية للكنيسة. وقد أعلن بندكتس الخامس عشر قداسة جان دارك سنة ١٩٢٠
قامت جان بمحبة وبدافع محبتها ليسوع بالعمل في سبيل كان تحرير شعبها ومن أجل العدالة البشرية. هذا العمل يشكل مثال قداسة رائع للعلمانيين العاملين في الحياة السياسية، بخاصة في أصعب الظروف. والإيمان هو النور الذي يرشد كل خيار
أثرت القديسة جان دارك تأثيراً شديداً في قديسة شابة من العصر الحديث هي تريزيا الطفل يسوع. ففي حياة مختلفة تماماً في الدير، شعرت القديسة تريزيا بأنها قريبة جداً من جان، بعيشها في قلب الكنيسة ومشاركتها في آلام يسوع لخلاص العالم. فعبرت عن رغبتها في الموت على مثال جان بلفظ اسم يسوع؛ واستمدت حيويتها من المحبة عينها ليسوع وقريبها، المحبة التي عاشتها في البتولية المقدسة
عيدها في ٣٠ أيار


Share