Home

تأمل الأحد الثاني بعد العنصرة. دعوة الرسل

18 June 2017 Father Gerard Abi Saab


تأمل الأحد الثاني بعد العنصرة. دعوة الرسل

“سأجعلكم صيّادي الناس”(متى 4: 18-23

هذا النصّ الإنجيليّ يروي بداية كرازة يسوع. ويظهر فيه كيف دعا يسوع تلاميذاً ومساعدين له ليطلق رسالته. إنّه يدعوهم ليؤسِّس معهم كنيسته ويحقّق بهم عمله على الأرض، خاصة بعد صعوده. لهذا يصرخ بولس الرسول قائلاً: “كيف يؤمنون إن لم يسمعوا، وكيف يسمعون إن لم يُبشَّروا، وكيف يُبشَّرون إن لم نرسَل؟”

هذه الكلمات الصريحة من بولس الرسول، وقبلها دعوة يسوع للتلاميذ، تجعلنا نفكّر ونتأمّل بعمق عن بعض الأسئلة الهامة: ما هي الدعوة، وإلى مَن هي موجّهة؟ كيف وأين نتلقّى الدعوة أو نسمعها؟ وهل دعوتنا جميعاً واحدة أم متنوعة؟ وأخيراً ما هو جوابنا الشخصيّ على كلّ تلك الأسئلة؟

تبدو “الدعوة” للبعض وكأنّها هبة خاصّة يوجّهها الله إلى فئة من “المختارين”، بالإضافة لذلك هي على مقدار كبير من السموّ والقداسة. الأمران اللذان يقوداننا بسهولة إلى اعتبارها غير موجّهة إلينا! وقد نرى دورنا في الكنيسة، في أفضل الأحوال، هو الالتزام بتأدية الواجبات التي تحافظ علينا في صف الملتزمين، أو أيضاً في صفّ المشجّعين لهؤلاء المختارين على قبول دعوة الله لهم

الدعوة هي للجميع! هذه حقيقة لا بدّ أن نعترف بها. وأمثال الربّ واضحة، كمثل الزارع حيث يبذر بالتساوي على كلّ أنواع الأراضي، على الصخر كما على الأرض الصالحة. وكذلك يوضح مثل المدعوّين للعرس وإلى العشاء… أن الدعوة موجّهة للجميع بالتساوي

والربّ يسوع يوضح أنّ “المدعوّين كثيرون والمختارين قليلون”. وهذا الفارق لا يعود سببه إلى الدّاعي (الربّ) إنّما إلى رفض بعض المدعوّين دعوةَ سيّدهم ونداءه. لا يمكن للربّ أن يخصّص مسبقاً دعوات متمايزة. إنّ التمايز موجود ولكن ليس في دعوة الله وإنّما في استجابة المدعوّين. يدعو الله الجميع، وهذا ما نسميه في الكنيسة الكهنوت الملوكي العام. ونحن يوم نُعمّد ونُمسح بالميرون نكون قد أعلنّا على الملء أمام الكنيسة أنّنا قبلنا هذه الدعوة وصرنا “أمّة مقدّسة كهنوتاً ملوكيّاً”. هكذا ينادي بولس الرسول أهل رومية في رسالته ويسمّيهم “الذين دعاهم الله ليكونوا قدّيسين” (1، 1). الحياة المسيحيّة هي دعوة بطبيعتها لأنها حياة بالروح، والروح يقودنا إلى حيث يشاء.

إنّ الدعوة موجّهة إلينا وإلى الجميع! لكن الشعور والإحساس بهذه الدعوة يغيب عن البعض مرّات عديدة. نشعر بالدعوة وننتبه لها حين يتمّ في لحظة ما لقاء المواجهة بين الله وبيننا، بحيث في تلك اللحظة لا نعود نخاطب الله بـ”هو” بل بالـ”أنتَ”. إننا نواجه دعوتنا المنسيّة حين يبدأ الله في لحظة ما يأخذ مكانه الحقيقيّ داخلنا، فنعرفه في عظمة سرّه ورسالته، وننتبه إلى أنّ لنا دوراً في رسالته لأنّه شاء هو أن يلقيها على كاهلنا. الربّ يسوع هو “المرسِل”. لقد أرسل كلّ مَن صادفه بعد قيامته. لقد كانت كلّ ظهورات يسوع بعد القيامة لقاءات للإرسال

هذا التعرف إلى دورنا الحقيقيّ “كمدعوّين” في الكنيسة ينتظر تلك اللحظة الواعية. وهذا ما تعنيه كلمة “كنيسة” في اللغة الأصلية أي الجماعة التي اجتمعت ملبّيةً دعوة السيّد

هناك بالواقع دعوات خاصّة مباشرة، نعرفها في تاريخ الكتاب المقدس، مثل دعوة بولس، الذي شاءه السيّد “إناءً مختاراً له يحمل اسمه إلى الأمم”، ودعوات مميزة مع بعض الأنبياء مثل موسى وأشعيا وأرميا، وكذلك مع بعض القدّيسين فيما بعد. وهذه الدعوات تعني تكليف هؤلاء المدعوّين بمهمّة خاصّة بلحظة من التاريخ تراهم عناية الله مؤهلين لتوكلهم بها

لكن الدعوة إلى الخدمة وممارسة كهنوتنا الملوكيّ هي دعوة عامّة ننالها في الكنيسة ونستلمها بالتربية، ونعي حقيقتها في التعليم الديني، ونحمل مسؤوليّتها في تلك اللحظة التي نقرّر فيها وندرك أنّنا لسنا مجرّد منتسبين إلى الكنيسة وحسب، وإنّما مسؤولين فيها، من حيث انتظار العين الإلهيّة. هكذا أقام الرسل شمامسة سبعة حين وجدوا حاجة لذلك، فاختاروهم من بين المشهود لهم، دون أن يستلم هؤلاء السبعة “دعوة ما” من السماء مباشرة. وهل توجد دعوة للخدمة موجّهة للمسيحيّ أكثر من شعوره بحاجة الكنيسة إلى خدّام، وحاجتنا الشخصيّة أن نعيش إيماننا بشكله المطلق وليس المجتزأ؟ هكذا كان خدّام الهيكل في العهد القديم، أي سبط اللاويين كانوا يتوارثون الدعوة بالوراثة وليس بسبب من دعوات إلهيّة فريدة

متى يدعونا الله؟ إنّه سؤال غريب. لقد سبق الله ودعانا مع الجميع. لكن السؤال هو متى ندرك دعوةَ الله؟ نعم ندركها عندما تحرّكنا روح المسؤوليّة وحين توقظ حاجةُ الكنيسة حماسنا، وحين تنتزع محبّة الله من داخلنا قرارنا وتنتصر على كلّ تردّد

نحن مَن ندعو أنفسَنا، عامة. وذلك من مفهوم أن الدعوة مجانية وموجّهة للجميع. أي نحن من لا يرفض نداء السيّد ونقبل دعوته. لا يوجد أي “مسبق اختيار” أو اصطفاء. نحن من نصطفي ذواتنا، إذا أردنا. وحينها نصرخ مثل توما: “ربي وإلهيّ”، فيغدو الله ليس الله فحسب وإنّما “إلهنا”

وإذا كنّا جميعنا مدعوّين علينا أن ننتبه إلى تنوع المواهب في الدعوة. فالجميع مدعوّون ليكونوا قدّيسين ومكرّسين للربّ في كهنوتهم الملوكي، ولكن في سبيل ذلك هناك طرق متعددة. ويعدد بولس الرسول المواهب المتنوعة في جسد المسيح الواحد، فيقول إن الله جعل البعض معلّمين والبعض أنبياء… وكلّهم لخدمة الجسد الواحد. لذلك إلى جانب الكهنوت الملوكي هناك الكهنوت الخاصّ

في الكهنوت الملوكي يعطي الإنسان كلّ قلبه. وفي الكهنوت الخاصّ يعطي إلى جانب ذلك كلّ وقته وزمن حياته

في لقاء الربّ اليوم مع الصيّادين التلاميذ الأوائل قال لهم: سأجعلكم صيّادي الناس. فما تبدّل في الواقع ليس المهنة ولكن الغاية. لذلك يتعمّد يسوع أن يقول لصيّادي السمك إنّهم سيصيرون صيّادي الناس. هكذا التشديد لم يكن على المهنة (وهنا الصيد) ولكن على الغاية. فيحتلّ الناس مكان السمك

كلّ المهن التي نمتهنها نحن المسيحيّين هي بمثابة شباك. فإذا كنّا نعمل في مهنتنا لأجل أنفسنا نكون صيّادي السمك، ولكن إذا كنا رسلاً في مهنتنا وأعمالنا نصير صيّادي الناس. غاية العمل في المسيحيّة ليست تأمين الحاجات وضمانات الحياة وحسب، وإنّما بالأساس أن نكون خدّاماً وشهوداً للربّ في أعمالنا

كلّ الأعمال هي شباك لنصطاد بها الناس إلى الله. وبينها خاصّة “الكهنوت” كموهبة نختارها نحن وهي بمثابة أحد الأنواع من الشباك. لا خيار لنا أمام أن نكون شهوداً أم لا! الخيار هو في أن نحدّد كيف نشهد للربّ، ونختار عملاً للحياة يحقّق ذلك

ويحتلّ الكهنوت الخاصّ في الكنيسة مكانة مميّزة. وذلك لطبيعته كشبكة حيّة ومتينة. ليس الكهنوت هو الطريق الوحيدة للتكريس، ولكنّه الطريق رقم واحد في التكريس. فلا يجوز أن نظنّ بأنّ من لا يختار الكهنوت خدمةً في حياته صار غيرَ مكرّس. وأيضاً لا يجوز بالوقت ذاته إذا ما شعرنا أنّ طرق التكريس متعدّدة ويمكننا خدمة الربّ في أعمالنا، لا يجوز هنا، أن نقلّل من أهمية وفرادة الكهنوت كحياة خدمة. الخيار حرّ والحريّة تحتاج لكرامة أبناء الله

“الحصاد كثير والفعلة قليلون”، آية مع غيرها من الآيات، تلهب في داخلنا شعور الالتزام بحمل مسؤوليّة الخدمة في الكنيسة ليس بالمهن والأعمال وحسب، وهذه خدمة مباركة، ولكن أيضاً بأن نختار الموهبة الخصوصيّة بحريّتنا مدفوعين إليها من حاجات الكنيسة ومتطلّبات الناس وعطشهم للكلمة الإلهيّة

إنّ الدعوة للجميع، وجوابنا بالنعم عليها ممكن من طرق متعددة. ومع ذلك يلهب الروح أحياناً شباباً ونفوساً تشاء في لحظة مباركة أن تقول للسيّد: “يا ربّ، ها قد تركنا كلّ شيء وتبعناك”، وتردِّد كلمات بطرس “إلى أين نذهب (وماذا نعمل) فكلام الحياة عندك”

آميــن

الأب جيرارد أبي صعب


, , ,

Share