Home

الخمس خبزات والسمكتين

30 July 2017 Father Gerard Abi Saab


الخمس خبزات والسمكتين

تأمل الأحد الثامن بعد العنصرة: متى 14 : 14- 22
“ثم أخذ خمسة الأرغفة والسمكتين ونظر الى السماء وبارك وكسر وأعطى الأرغفة لتلاميذه والتلاميذ للجموع”
يضعنا الإنجيل أمام لوحة تعكس واقعًا نعيشه حول علاقة الدنيا بالدين؟ وما الرابط بين الدنيويّات والسماويّات؟ قد يكون لدى البعض اهتمام الدّين يختصّ بالماورائيّات واهتمام الدنيا بالحياة الدهرية. وكلّ منهما يعارض الآخر. لقد شهد التاريخ نزعات من التضارب. فمن يحيا للدين نراه يتناسى الدنيا، والعكس وارد أكثر. وهناك المتديّنون والدنيويّون، وقد لا يلتقون فيما بينهم على شيء. الكون والخيرات، لها مصير هو حسن الاستخدام وتأمين الحياة والرفاهية للإنسان، من وجهة نظر غير المتديّنين. وبالنسبة للمتديّنين هذه كلّها مرفوضة لأنها تقتل حياة الروح والزهد، وكأنّ الدّين صوفيّة ملائكيّة مستقّلة عن شؤون الدنيا

في حدث تكثير الخبز يَظهر على الفور كيف يجمع المسيح بين الدين والدنيا بالشكل الصحيح. كيف يعطي “الكلمة” ويعطي “اللقمة”، يعطي غذاء الروح ويناول غذاء الجسد. فالإنسان في الكتاب المقدس ليس مكوناً من متناقضين: الروح والجسد، والأوّل يفوق الثاني لدرجة تستحقّ إهمال كلّ ما هو مادي. لقد علّم يسوع الجموع، ولما جاعوا أمر أنْ “أعطوهم ليأكلوا”

لكن الربّ يسوع لم “يطعم” الجموع هكذا دون فلسفة معيّنة. إنّ حركاته وكلماته تذكّرنا على الفور بأحداث أخرى يشير إليها هو بذلك. المنظر هو مشهد ليسوع المخلّص وسط شعبه يؤمّن لهم غذاءهم الروحيّ والماديّ. إنّه مسيّا الذي يرعى شعبه. إنّه لقاء الله مع البشر أمام حاجاتهم، فكيف يتصرّف؟ “لقد نظر إلى السماء (شكر) وبارك وكسر وأعطى تلاميذه…”. إنّها الحركات عينها والكلمات نفسها التي سيكرّرها عندما سيكسر لهم جسده ودمه مأكلاً ومشرباً حقيقيّين في العشاء السرّي

يوحنا الحبيب يذكر في الإنجيل الرابع بعد هذه الأعجوبة خطاب يسوع الشهير حول خبز الحياة. فأعجوبة تكثير الخبز تذكّرنا بصورة وحدث إطعام الجموع في البرّية من المنّ. وتستبق وتصوّر لنا ما سيحدث في العشاء السرّي، الذي لن يقدم المسيح فيه المنّ الذي أكل منه آباؤنا في البرّية وماتوا، ولكن جسده ودمه، الخبز الحيّ الذي إذ نأكل منه نحيا ولا نموت. العشاء الذي سيمتدّ عبر الدهور في القدّاس الإلهيّ في سرّ الشكر- الإفخارستيّا

“الشكر” على الطعام عادة قبل المسيحيّة. لقد اعتادت الشعوب أن تشكر الآلهة على الطعام. ويبقى “للمائدة” سرُّها. ومهما أنقصت الحضارات المادّية من قيمة الطعام السرّية، فإن للطعام قدسيّة فوق إشباع الحاجة البيولوجيّة لدى الإنسان. المائدة والطعام يتوسطان كلّ محبّة وكلّ لقاء وكلّ عيد. والقداس الإلهيّ يسمّى “سرّ الشكر” لأنه مائدة يشكر فيها الإنسانُ اللهَ على الخيرات المادّية والروحيّة الموهوبة له. يشكره على الحياة المعطاة له وكلّ ما تحتاجه من مادّة وروح

يبارك الله الإنسانَ بالخيرات الماديّة والنعم الروحيّة، ويبارك الإنسانُ أي يشكر الله على هذه المحبّة، جواباً على البركة الإلهيّة. وهذه الحركة هي “الإفخارستيا” أو سرّ الشكر. في القداس الإلهيّ في نهاية التقدّمة وعند تحويل القرابين يصرخ الشعب بلسان الكاهن: “(الخيرات) التي لك مما لك نقدّمها لك على كلّ شيء ومن اجل كلّ شيء”. يشكر الإنسان الله على كلّ الخيرات حين يحوّلها من أجله. ياكل الإنسان من الخيرات ويحوّلها إلى لحم ودم وحياة. الخيرات بحدّ ذاتها لا قيمة لها إلا إذا كانت تقدّمة إفخارستيّة عبر الإنسان. كلّ شيء في الدنيا لا قيمة له بحدّ ذاته إذا لم يخدم “حياة” الإنسان. وعن أيّة حياة نتكلّم؟ عن حياته بالمسيح. الإنسان مدعوّ “ليتسلّط على طير السماء وسمك البحر…” وبذلك يحيا بها لله. القرابين المقدّسة (الخبز والخمر) هي رموز لكلّ الخيرات الأرضيّة، إنّها الأكثر استخداماً في القوت اليوميّ. نتقبلها من الله بركات ونرفعها إليه تقدّمة

كلّ شيء يصير شريفاً ومقدّساً عندما يخدم سرّ المحبّة الإلهيّة، ويصير تقدّمة إفخارستيّة من الإنسان. الكأس على سبيل المثال عندما نستخدمها دون فائدة لا قيمة لها. ولكن عندما نستخدمها حسناً أو حين نستخدمها للقرابين المقدّسة والدمّ الطاهر تصير “مقدّسة” وشريفة. أيّة مادّة تأخذ شرفيّتها من مقدار اشتراكها في خدمة سرّ المحبّة بين الله والإنسان، أي بمقدار ما تكون أداة في سرّ الشكر والإفخارستيّة

الإنسان مدعوّ ليحوّل الكون كلّه وجميع خيراته إلى “تقدّمة”، الإنسان مدعوّ ليتمّ كلّ لحظة ليتورجيا الكون وإفخارستيا الخليقة كلّها. ليس هناك من تضاد بين المادّة والروح أو الدنيا والدين. التضاد هو في الاستخدام من أجل الله أو من دونه. المادّة خلقت لتكون مقدّسة والمؤسف أننا أحياناً نفسد قدسيّتها. المسيحيّة دعوة لسرّ شكر كونيّ. المسيحيّ مدعوّ وبجدّية ليستخدم كلّ خيرات الدنيا ويعطيها شرفها وقيمتها إذ يرفعها افخارستيا لله. لا يوجد شيء في الدنيا تافه. كلّ شيء يمكننا استخدامه في رحاب المحبّة الإلهيّة. المسألة في “لماذا” نستخدم وليس في “ماذا” نستخدم! “لماذا”؟ الجواب على هذا السؤال السبب يقدّس المادّة أو يفسدها

الربّ يسوع أطعم الجموع من السمك والخبز بالكلمات عينها التي استخدمها عندما أطعم تلاميذه من جسده ودمه الكريمَين يوم العشاء السرّي. هناك مؤشّر واضح على افخارستيا أي استخدامٍ، أو أيّة مادةٍ، هو سؤال واضح يمكننا أن نطرحه كلّ لحظة، حين نشتري سيارة وحين نبيع ملكاً، حين نأكل وحين ننام، وعندما نسعى أو نرتاح، أمام كلّ تصرّف أو استخدام، المؤشر هو أن تكون لدينا الجرأة والإيمان لنقول: “التي لك مما لك نقدّمها لك على كلّ شيء ومن جهة كلّ شيء”

افخارستيّا كونيّة تقدّس كلّ مادّة، تلتزم بكلّ مادّة، فتخدم الروح وتصير إلى حياة حقّانيّة

آميــن
أبونا جيرار أبي صعب


Share