Home

تأمل الأحد الثامن عشر بعد العنصرة

8 أكتوبر 2017 Father Gerard Abi Saab إنجيل الأحد


تأمل الأحد الثامن عشر بعد العنصرة لوقا 11:7-16

لقد كان يسوع في رسالته يعملُ ويعلّم، يعظ ويشفي، وكان يُثِّبتُ الكلامَ بالآيات. ولعلّ من أكثر أعمال يسوع تأثيراً هي عجائبه، وبالأخصّ إقامة الموتى منها. فقد أقام ابنة يائيرس وابنَ أرملة نائين، كما سمعنا نصها الإنجيليّ الآن، وأقام لعازر الرباعي الأيّام. نلاحظ في عجيبة إقامة ابن أرملة نائين الواقع الإنسانـيّ في علاقته مع الكون ومع الله
فأولى المعطيات في الحدث هي وجود الشر الذي يعذّب الإنسان. وفي حدثنا هذا يظهر بالشكل النهائي والأخير له، أي الموت. الإنسان موجود في عالم يحيط به، ويصارع فيه من أجل وجوده؛ وحسن وجوده. فالأمراض والأخطار الطبيعيّة والأخطار الخلقية من الناس؛ كلّها تجعل حياة الإنسان اليوميّة مهدّدة ومحارَبة
وثاني المعطيات في العجيبة هي المحبّة الإلهيّة. فالله يتدخل لحلّ هذه التحديات والصعوبات
التي تنهك حياة الإنسان. ويتدخل الله في نواميس الطبيعة فيلغي هنا مرضاً، وهناك ينجّي من غرقٍ، وفي مكان آخر يبدّد العوز ويطعم من خمسة أرغفة خمسة آلاف رجل وهكذا… وهنا يقيم ابن أرملة نائين بعد أن حكم عليه ناموس الطبيعة بالموت. إن الله هو واضع الأنظمة والنواميس الطبيعيّة، وهو وحده القادر على تعديلها حين يشاء حبّاً بالإنسان
إنّ تدخّل الله العجائبيّ في تاريخ البشر دليل قاطع على عنايته بهم وعلى حبّه لهم. فهو بواسطة مرسَليه يحاول أن يحمل مع الإنسان صعوباته وأن يُصلح الخلل الذي أدخلته الخطيئة الإنسانيّة في حياة البشر. وكلّ عجيبة هي تذكار لمرافقة الله للإنسان في خطواته. العجيبة هي لوحة إعلانات كتب عليها بحروف كبيرة عبارة واحدة واضحة “الله هنا”، “الله معنا”، “الله فيما بيننا
عجيبة إقامة ابن أرملة نائين تأتي من هذا المنظار تذكيراً بحضرة الله فيما بيننا، ولكن ليس بواسطة مرسَلين وإنّما تشير إلى مجيئه هو، “المسيّا”، فيما بيننا. إنّه الربّ، كما سمّاه لوقا في هذا الحدث، ولأوّل مرّة يطلق لوقا على يسوع هذا الاسم. إنّ إقامة هذا الشاب هي مقدمة لجواب يسوع على سؤال تلاميذ يوحنا له، “أَأنت الآتي أم ننتظر آخر؟”. هي مقدمة تبرهن “أنّه الآتي” لأن المرضى يشفون “والموتى يقومون

عجيبة إقامة ابن أرملة نائين عنتْ للناس آنذاك أنّ “المسيح الربّ فيما بيننا”، أنّ عمانوئيل “الله معنا” قد حضر، وهو الآن هنا ويعمل. إنّها علامة ليس لتدخل الله وإنّما لحضوره بالذات. إنّها علامةٌ أننا دخلنا بالفعل في الأزمنة الأخيرة التي سيكون الله بالذات فيها في وسط شعبه. إقامة هذا الشاب هي إشارة ليس إلى عناية الله ولكن إلى وجوده المباشر! وهذه الحضرة تفحص في الناس ردّة فعلها. لا يمكن أن يكون الجواب البشريّ على حضرة الربّ الحياد! في الحدث هنا كانت ردّة الفعل صالحة، فمواجهة الربّ يسوع للموت ودحضه له جعلتهم يشعرون “بالافتقاد” الإلهيّ وبوجوده بينهم
رفض الربّ يسوع مرّات عديدة أن يصنع عجائب، لأنه كان يعرف أن ردّات الفعل لن تكون المطلوبة، وأن العجيبة آنذاك لن تحصل لرفع الحاجز بين الله والإنسان، ولن تساهم في المصالحة ولن تقود الإنسان إلى التوبة والالتفات إلى الله، ولن تجعله يجيب على الافتقاد الإلهيّ بالـ “نعم”. لذلك رفض على الشيطان طلبه أن يرمي بذاته من جناح الهيكل أو أن يحوّل الحجر إلى خبز. ولم يقبل طلب أيّة من ذلك الجيل، الذي سمّاه شريراً وفاسقاً لأنه كان سيّئ القصد، لا بل رأى أنّها ستعطى لهم أيّة يونان النبي أي قيامته. كما أنّه لم يُجْرِ عجائب في بلده كما في كفرناحوم، وذلك لأنهم لم يقبلوه كنبيّ في وطنه. ولم يستجب لفضول هيرودس برؤية عجائب منه

إن الموقف الإنسانـيّ هو الذي يمنع الله أو يسمح له بالتدخل. والله يتدخل أحياناً بالعجائب ولكنّه يتدخل دائماً بطرائق عديدة ومتعددة. الموقف البشريّ هو الذي يجعل الحضرة الإلهيّة بين الناس فاعلة أو غير فاعلة. الحضور الإلهيّ وحده لا يفيد، فعزل الله من قبلنا هو بالواقع قتله بيننا. عجائب الله منظورة وغير منظورة. والأحداث العجائبية هي وجه من وجوه العناية الإلهيّة بالإنسان وتعبير واضح عن رغبته في مرافقتنا حياتَنا. إلاّ أنّ العجائب هي الواجهة التي تشير إلى عمق كبير من المحبّة والتدابير الإلهيّة لصالحنا. إقامة ابن أرملة نائين ترمي الضوء على السؤال الإلهيّ الموجَّه إلينا: هل نشعر بالافتقاد الإلهيّ؟ هل يعني لنا أن الله معنا؟
علينا دائماً، والآن، عندما نطالع الإنجيل، أن نعرف أنّ الله حاضر بيننا ويتصرّف معنا. وأن نجيب على حضرته بالصراخ هاتفين على الدوام: “قام بيننا الربّ، النبيّ العظيم، وافتقد الله إيّان
ها أوان للربّ، ها زمن خلاص .آميــن

الأب جيرارد أبي صعب


Share