Home

حياة الأب بشارة أبو مراد

22 فبراير 2018 Articles


حياة الأب بشارة أبو مراد

زحلة منبت الرجال والقدّيسين

هو سليم جبّور أبو مراد، أبصر النور في زحلة، عروس البقاع، سنة ١٨٥٣، في بيت قديم من حارة مار الياس المخلّصيّة، التي تسمّت باسم الآباء المخلّصيّين الذين تعاقبوا على خدمتها وما زالوا. أبوه جبّور أبو مراد، مزارع مكتفٍ، وأمّه أليصابات القشّ، سيّدة فاضلة وتقيّة، سعت إلى أن تغرس في نفوس أبنائها بذور التقوى والفضيلة منذ نعومة أظافرهم. عن هذه المرحلة من حياة الفتى سليم، كتب الأب قسطنطين باشا، وهو مؤرّخ الرهبانيّة المخلّصيّة وكنيسة الروم الكاثوليك وكاتب سيرة الأب بشارة: “كان عمرُه حينئذٍ سبعَ سنوات، قضاها في البيت عند والدتِه حتّى شَبِعَ من حليبِ تقواها. وقد علَّمتْه الصلاةَ في البيت معها، وعوَّدتْه حضورَ الصلواتِ الطَقسيّة في الكنيسة، إذ كانت تَصحبُه معها إليها حتّى إنّه كان (حسبَ روايةِ صهرِه ورفيقِه يوسف عبدالله) إذا حَلَّ وقتُ اللعب للأولاد، يُخاتِلُ رفاقَه في المدرسة ويدخلُ إلى الكنيسةِ ليصلّيَ فيها، ولا يَدَع أحدًا يدري به، إلاّ إذا دخلَ أحدُهم إليها اتّفاقًا أو ليفتّشَ عنه، فيخرجُ منها إلى البيت أو إلى المدرسة” (الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ

شبّ سليم على الخصال الحميدة، وظهر فيه ميل قويّ إلى الصلاة والاختلاء والتضحية وروح الإماتة، ما زاده رغبة في التكرّس الكامل للربّ في الحياة الرهبانيّة. ورأى في آباء دير المخلّص المثال الحيّ للفضيلة، فعزم على أن يدخل الدير ما أن ينال رضى والدَيه. كتب الأب باشا عن هذه المرحلة، قال: “وشَرَعَ يُخاطبُ والدتَه بصراحة وشَجاعة طالبًا رضاها عليه ليترهَّبَ، وخاطَب والدَه بهذا الشأن. ولكنَّه لم يَفُزْ منهما بِطائل (…). وفي الوقت نفسه لم يَكنْ يُهملُ التوسّلَ إلى والدتِه لتُساعدَه على نَيل رِضى والدِه ليأذنَ له بالسفرِ إلى ديرِ المخلِّص. ولَبِثَ مدّةً طويلةً في البيت على هذه الحال لا يُكلِّمُ أحدًا، حتّى كان يَظهرُ لأهلِه كأنَّه ضائعُ العقلِ لا هَمَّ له إلاّ دير المُخلِّص والرهبنة، كما روتْ لنا ذلك أختُه سعدى. فَرَقَّ له قلبُ والدتِه لِتقوَاها وإخلاصِ حبِّها له، وخاطَبتْ والدَه بشأنه لِيدعَه يَذهبُ إلى الدير. وأقنعَتْه بما أَلقاهُ اللهُ على قلبها ولِسانها بأنَّ الرهبانيّةَ دعوةٌ مِنَ الله، وحرامٌ عَلينا أن نمنعَ ولدَنا عن طاعتِه تعالى إنْ كانَ يَدعُوه إليها. ولسببِ ما كان لها عندَه من الكرامةِ والاعتبار، نَظرًا لِتقواها وتعقُّلِها، رَضِيَ معها بالسماحِ لولدِه بالسفرِ إلى دَيرِ المُخلِّص لِيَمتحنَ نفسَه بالرهبانيّة. فإذا تَوفَّقَ تَمَّتْ إرادةُ اللهِ فيه، وإلاّ فَالعَودُ إلى البيتِ خيرٌ وأَفضل. فَفَرِحَ بذلك سليمُ أيَّ فرحٍ لأنَّه تَمَّ مُرَادُه بِأخذِ رِضى والدَيه، وهو يَحسَبُ أنَّ رِضاهما بركةٌ ومُقدَّمةُ التوفيقِ له في هذه الحياةِ وفي الآخِرة” (الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ).

إلى دير المخلّص

وصل سليم إلى دير المخلّص في جون الشوف، مساء ٧ أيلول ١٨٧٤، وكان له من العمر ٢١ سنة، فلبس ثوب الابتداء على الحال في ١٩ أيلول من السنة نفسها، ودُعي باسم بشارة. الابتداء، لمن لا يعرف، هو المرحلة الأولى لطالب الرهبنة، يقضي فيه سنتَين من الصلاة والتأمّل والاختلاء التامّ والأعمال اليدويّة والمذاكرات الرهبانيّة، بغية التعرّف على الحياة الرهبانيّة وتاريخ الرهبانيّة وروحانيّتها. كانت هذه الفترة للأخ بشارة فردوسًا روحيًّا انطلق فيه في رحاب الروح ومناجاة الربّ، في جوّ من الصمت والخلوة والقداسة المخفيّة، أمّنه له دير سيّدة النياح، الضائع بين أشجار السنديان والصنوبر في وادي بسري على كتف نهر الأوّليّ. بعد سنتَين، أبرز نذوره الرهبانيّة الثلاثة، الفقر والعفّة والطاعة، في ٤ تشرين الثاني سنة ١٨٧٦. فكان له هذا اليوم فيضًا للفرح الداخليّ، إذ فيه تحقّقت أمانيه بأن يكون وقفًا للربّ ومكرَّسًا بكلّيّته لخدمته

بعد النذور أتت مرحلة الدراسة في المدرسة المخلّصيّة، قرب دير المخلّص. فتعلّم على آباء مشهود لهم بالتقوى والفضيلة، ودرس الفلسفة واللاّهوت واللغتَين العربيّة والفرنسيّة. كان الأخ بشارة مثالاً رائعًا للراهب المندفع التقيّ، ممّا حدا برؤسائه تسليمه مسؤوليّة الاهتمام بإخوته الرهبان والعناية بهم، لما رؤوا فيه من قدوة صالحة. على أبواب الكهنوت، لاقى رؤساؤه صعوبة بإقناعه بأن يرتسم شمّاسًا ثمّ كاهنًا، لأنّه كان يعتبر نفسه دون كرامة الكهنوت العظيمة: “وإذا ألحَّ عليه بعضُ الرؤساءِ بهذا الأمرِ، كان جوابُه في الغالِبِ السكوتَ أو كان يقولُ لهم: “أنا ما جِئتُ إلى الرهبانيّةِ إلاّ لأُخلِّصَ نفسي لا لكي أرتسِم” (الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ

وبعد محاولات عدّة، نجحوا في إقناعه، وحيلتُهم كانت أنّه إذا ارتسم كاهنًا فيستطيع حينها أن يقدّم الذبيحة من أجل راحة نفس أخويه يوسف ومراد، اللّذين ماتا في ريعان الشباب. إرتسم الشمّاس بشارة كاهنًا في اليوم الثاني لعيد الميلاد، في ٢٦ كانون الأول ١٨٨٣، واتّخذ شعارًا لكهنوته آية من النبيّ حزقيال: “إنّي أقمتك رقيبًا لهذا الشعب، فكلّ نفس تهلك بسببك، فمن يدك أطلبها” (حز
١٧:٣). كان هذا الشعارٌ انعكاسًا لما في نفس الأب بشارة من غيرة لخلاص النفوس، غيرة لازمته طيلة حياته. كان قُدّاسه غاية في التقوى، ولنا في ذلك شهادة قيّمة أعطاها أحد إخوته، الأب بُطرس خرياطي المُخلِّصيّ: “وبُعَيدَ سيامةِ هذا الكاهنِ الصالح، شرعَ بتقديمِ الذبيحة الإلهيّة على مِنوالٍ غريبٍ في بابِه مِنَ الخُشوع. فكُنَّا نَرَاهُ كأنَّه مَلاكٌ سماوِيّ لا إِنسانٌ أَرضِيّ. وكان غيرَ مُتحرِّكٍ على درجةِ الهيكلِ الإلهيِّ رَافعًا يديهِ إلى السماء، وشَاخصًا بنظرهِ نحوَ العلاءِ يُناجِي مَن هو موضوعُ مَحبّتِه، ويُخاطبُ مَلائكةَ السماء وسكّانَ البلاطِ الإلهيِّ، تاليًا صلواتِ الخدمةِ الإلهيّة بِخُشوعٍ دونَه خشوع. وكَانت هَذه الصلواتُ كأنّها سهمٌ حارٌّ يخترقُ فؤادَ كلٍّ مِنَ الحضُور. (…) إنَّ هذه التَقوى النادرة لم نرها إِلاّ في هذا الإنسان، وكانت تؤثِّرُ فِينا غايةَ التأثير. وكنّا نراهُ في وقت القدّاس كأنّه مرتفعٌ عن الأرض. وكُنّا كأنّا عندَ المناولة الإلهيَّة مِن يدِه المُقدَّسةِ لا نشعرُ بنفوسِنا أنَّنا أَرضيّونَ مِن مَزيدِ الخُشوع الذي كانَ يمازِجُنا في تِلك الآوِنة” (الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ).

هيّا إلى دير القمر وواديها

أوّل عملٍ عُهد إليه القيام به هو رعاية الإكليريكيّين في مدرسة دير المخلّص. فظلّ طيلة ثماني سنوات يعمل على تقديس نفسه وتهذيب التلاميذ المؤتمن على تربيتهم ورعايتهم. فكان لهم الأب والأخ والصديق، وأيقونة حيّة في المواظبة على الصلاة والعبادة لله والإماتة المضحّية. وكم كان يطيب له هذا العمل، إذ كان يبقيه قريبًا من الكنيسة وبيت القربان، حيث كان يقضي ساعاتٍ ساجدًا، ناسيًا ذاته في تأمّل متواصل ومناجاة عميقة. لكنّ الله شاء له غير ذلك، إذ لا يجوز أن تنحبس تقوى هذا الكاهن داخل أسوار الدير، لأنّ نور سراجه يجب أن يوضع على المكيال كي يراه الجميع، فيستنيروا

في ٨ تشرين الثاني من سنة ١٨٩١، صدر أمر انتقال الأب بشارة إلى دير القمر، فما كان منه إلاّ أن “حمل فراشه ومشى”. في دير القمر، تعيّن لسنة واحدة معلّمًا في المدرسة الأسقفيّة، وبعدها كاهنًا لقرى ودايا دير القمر: سرجبال، وادي بنحليه، بنويتي، وادي الدير، وادي دير دوريت… وطالت خدمته أيضًا قرى أخرى امتدّت من المختارة جبلاً حتّى الدامور ساحلاً. يصعب علينا في هذه الأسطر اختصار اثنتي وثلاثين سنة من الخدمة الشاقّة والمتفانية. يكفي أن نقول إنّ ذكراه لا تزال حتّى اليوم راسخة في أذهان أهل تلك المنطقة وفي قلوبهم، هو المتوفّي سنة ١٩٣٠. إذا كان القدّيس شربل تقدّس في النسك، فالأب بشارة تقدّس في الخدمة الرعويّة التي لم تعرف تعبًا ولا كللاً، والتي لم يعوقها لا حرّ ولا برد، لا شتاء ولا ثلج، لا عاصفة ولا قيظ شديد

ميّزتان اثنتان طبعتا خدمته الطويلة: الأولى، وفاؤه لشعار كهنوته بخلاص النفوس والسهر على تقريبها إلى الله من خلال سِرَّي التوبة ومسحة المرضى، حتّى إنّه كان يُقال إنّه لم يمت أحد من أبناء رعاياه إلاّ وقد تزوّد بالأسرار الأخيرة وكان في حالة نعمة. وكم كان يقضي ساعات وساعات في كرسي الاعتراف، بطريقة متواصلة لا يقطعها لا جوع ولا تعب. وهذه شهادة عن ذلك من الأب باشا نفسه: “في سنة١٨٩٣، ذهبتُ إلى دير القمر لزيارة الأب بشارة أبو مراد (…)، وطلبتُ إليه أن يسمعَ اعترافي، فأقبلَ بي حالاً إلى كُرسيّ الاعتراف. وما أنجزتُ اعترافي إلاّ شاهدتُ الناسَ تُقبل على الكنيسة للاعتراف إليه بدون انقطاع. ولبثَ في كرسيّ الاعتراف من نحوِ الساعة السابعة نهارًا إلى نَحوِ الساعةِ الرابعةِ ليلاً يسمَعُ اعترافَ كلِّ من كان يأتي إليه من الرجال والنساء والأولاد والبنات من طائفتِنا ومن الموارنة (…). وقضَينا هناك مدّةً حتّى طفئتْ أنوارُ الزينة وذهبنا ننام، والأبُ بشارة لم يزَلْ في كرسيّ الاعتراف، ولم يخرجْ من الكنيسة لتناول العشاء ولا شَرِبَ كأسَ ماء ولا أخذَ راحة” الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّص

الميزة الثانية هي عنايته بالفقراء ومساعدته لهم، “فقد كان من قبلُ يمنعُ نفسَه مرارًا عن بعض المأكولات ليُحسنَ بها إلى أوّل فقيرٍ يجدُه أمامَه. إلاّ أنَّه في أيّام الحرب (١٩١٤-١٩١٨)، قد اتّخذَ بهذا الشأن سُنّةً على نفسه لم يكن يَحيدُ عنها. وهي أنّه كان يُحسنُ إلى الفقراء بمعظمِ ما كان يُقدَّم له لأجلِ قُوتِه الضروريِّ لحياتِه من الخُبز (…). وإذ طال به الأمرُ هكذا عدَّة سنين أعياهُ الجوعُ وهَزلَ جسمُه كثيرًا وتَغيَّر لونُ وجهِه (…). وإذْ بلغَ به الحالُ إلى هذا الحدِّ، وهو لا يبيح ذلك لأحد، استدعى له الأبُ ملاتيوس خوري (…) الدكتور سليمان مشاقّة، ليشاهدَه ويصفَ له العلاجَ المناسب. فلمّا عاينَه قرَّرَ أنّه مريضٌ بمرضِ الجوع وأن ليس له دواءٌ إلاّ الأكل بالقدْرِ الكافي” (الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ

بكلمة، لقد كان الأب بشارة طيلة خدمته الكهنوتيّة إنسانًا يؤكل، ولكثرة ما تَعبَ وكدّ وعمل وصلّى، بدأت قواه تضعف، وعيناه تنطفئان والنوبات القلبيّة ترواده من حين إلى آخر. فصدَرَ الأمر بانتقاله من دير القمر إلى صيدا، في ٤كانون الأوّل سنة١٩٩٢، وقد كان له من العمر آنذاك ٦٩ سنة. وكان الهدف من نقله التخفيف من تعب أسفاره وتنقّلاته والعناية بصحّته، عسى أن يكون مناخ الساحل الدافئ أهون على شيخوخته من مناخ الجبل القارس. في صيدا، لم يسترح المحارب، ولم يكترث لثقل السنين عليه، فظلّ يجاهد صائمًا مصلّيًا وخادمًا وواعظًا وومعرّفًا، لا سيّما لتلاميذ المدارس ولأخويّات المنطقة. عن هذه المرحلة يعطي المُطران أغسطين البستاني، مُطران صَيدا للموارنة، شهادة قيّمة: “ولم يكنْ ثِقلُ السنين لِيُوهنَ عزائمَه في هذا السبيل الشاقِّ، بَل كُنَّا نراهُ في هذا الدَورِ الأخيرِ مِن حياتِه أوفرَ نشاطًا وأشدَّ عزمًا كالجنديّ الباسل الذي يلمعُ لعينَيه فجر يوم الانتصار، فيزدادُ جرأةً وإقدامًا في اقتحامِ المخاطر، إذْ يعلمُ أنّ رأسه أوشك أن يُعصبَ بتاج المجد والبهاء. وهكذا سار رجلُ الله في مصاعد الحبِّ الإلهيّ، حتّى بلغ قمّة جبل القداسة بشيخوخة صالحة مثقلةٍ بأجمل الأعمال ومُعَطَّرة بأسمى الفضائل” (الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ

عودة إلى دير المخلّص واستراحة المحارب

في ٢٦ شباط ١٩٢٣، نُقل الأب بشارة نهائيًّا إلى دير المخلّص للاستراحة الأخيرة، فعاد إلى الدير الذي اشتاقت إليه نفسه وذابت. تركه شابًّا، فعاد إليه شيخًا جليلاً، كلّل رأسَه بياضُ الشعر وقلبَه نقاوةُ السيرة. انتقى له في الدير غرفة قرب الكنيسة، كي يظلّ قريبًا من حبيبه الإلهيّ، وكانت حجّته في ذلك أن يبقى ساهرًا على زيت القنديل الذي أمام القربان المقدّس. فإذ به أضحى هو نفسه قنديلاً حيًّا أنارت نفسه جميع سكّان الدير وزائريه، الذين توافدوا بكثرة جاعلين من غرفته محجّة للصلاة والتبرّك. في الواقع، اكتسب الأب بشارة احترام الجميع، ليس فقط المسيحيّين بل أيضًا المسلمين والدروز، الذين لم يتوانوا في المجيء إلى هذا “الكاهن القدّيس” للتبرّك وطلب المعونة والصلاة.

إزداد المرض على الأب بشارة، وخارت قواه: “وإِذ اشتَدَّ عليه مرضُه في ٣ شباط، وأَخذَتْ تَنتابُه نَوباتٌ شديدةٌ بِتَواتُر، قَلِقَ عليه كلُّ إخوانِه الرُهبان وأَخذوا يُلازِمون غُرفتَه. فكان حِينئذٍ على سريرِه مِثالاً كاملاً للصبرِ الجميل ومَشهدًا لِتَقوى القدّيسين. وصارتْ غرفتُه أشبهَ بكنيسةٍ تُقامُ فيها الصلواتُ الفَرضِيَّةُ كاملةً في أوقاتِها (…). ومع ما كان عليه من قُوَّةِ النفْسِ والتجلُّدِ والصَبرِ على أَلَمِ مَرضِه، اضطرَّ أَن يقولَ مَرّةً للأب أنطوان كِيورك وكان وحده مَعه في غرفتِه: “أشعرُ بأنَّ قلبي كَلَهيبِ نار”. فقال له الأبُ المذكور: “هذا مِن اضطرامِ قلبِكَ بمحبّةِ الله” (…). وكان يقولُ للآباءِ المدبِّرين: “إذا متُّ، إيّاكُم أن تُخبِروا أَحدًا بموتي لِئلاّ يَظُنَّ الناسُ أَنّي شيءٌ مُهِمٌّ مُعتَبَرٌ وأنا أكبرُ الخَطأة” (الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ

“كريم بين يدَي الربّ موت بارّه”

وفي صباح سبت الأموات الواقع في ٢٢ شباط من سنة ١٩٢٢، حانت ساعة اللقاء بربّه، فطارت روحه إلى السماء نقيّة بارّة، وسط حزن إخوته الرهبان وكلّ من عرفه. وحالاً قرّرت السلطة الرهبانيّة أن يُدفن، ليس مع باقي الرهبان، بل في مدفن خاصّ، نظرًا لبررارة حياته وبطولة فضائله. فحُفر حائط كنيسة دير المخلّص الجنوبيّ، ووُرِي جثمانه فيه، وثُبِّتت بلاطة فوق ضريحه كُتب عليها: “هنا يرقد على رجاء القيامة الأخيرة خادم الله الأب بشارة أبو مراد المخلّصي مثال الحياة الرهبانيّة العالية والكمال الكهنوتيّ السامي”

ومن ذلك الحين، صار ضريحه محجّة للمؤمنين، ومقصدًا لكلّ طالب معونة، وتسجّلت في سجّل الضريح أشفية عدّة جرت بشفاعة الأب بشارة. واقتناعًا منها بقداسة حياته، رفعت السلطة الرهبانيّة دعواه إلى مجمع القدّيسين في روما كي يُعلَن مكرَّمًا، فطوباويًّا فقدّيسًا، على مذابح الكنيسة جمعاء. فأُجريت كلّ الإجراءات القانونيّة اللاّزمة، على الصعيد المحلّي، وجُمعت الشهادات، وتكوّن ملفّ هو الآن قيد الدرس من قبل الأخصّائيّين اللاّهوتيّين في دوائر الفاتيكان المختّصة
وفي سنة ٢٠٠٥، احتفلت الرهبانيّة المخلّصيّة بذكرى مرور ٧٥ سنة على وفاة الأب بشارة، وبالمناسبة قرّرت السلطة فيها إنتاج فيلم ضخم عن سيرة حياته

“إذَا ثَبَتَ هذا الكاهنُ على هذه الأعمالِ وفازَ على الشيطانِ بهذا السلاح، سلاحِ الصليبِ والصلاة، فلا بُدَّ أنْ يُطوَّبَ قدِّيسًا”. هكذا قال يومًا المطران باسيليوس حجّار، مطران صيدا ودير القمر للروم الكاثوليك، في الأب بشارة، وقد كان بعدُ حيًّا. ما قاله قد تحقّق، وانتصر الأب بشارة على الشيطان، ويُنتظر أن تُعلن الكنيسة قداسته، إذا شاء الربّ ذلك. أمّا نحن فنفتخر به، قدّيسًا آخر من لبنان، ولكلّ لبنان.

:٢بعض النِعم المنسوبة إليه

– السيّد يوسف خليل أبو صافي، من مواليد صيدا ١٩٠٣، توفّي سنة ٢٠٠١. كان يروي تفاصيل شفائه من التيفوئيد، الذي كان متفشّيًا بعد الحرب الكبرى وتسبّب بوفاة الكثيرين. ففي سنة ١٩٢٢، مرض يوسف وأشرف على الموت. وبعد أن قطع الأطبّاء الأملَ من شفائه، صدف دخولُ الأب بشارة كعادته ليزور المريض، فباركه وبارك الماء وسقاه، ثمّ بارك صليبًا وجعله على صدره، فشُفي المريضُ في الليلة نفسها. وعلم الطبيب بالأمر، فقال: “حقًّا أبونا بشارة قدّيس”. وكان يشعر يوسف أبو صافي بالسعادة، وهو في سنّ الشيخوخة، عندما يطلب إليه أحدُ الكهنة مرافقتَه في سهرات الرعايا، ليتحدّث بتأثّرٍ بالغ عن معرفته بالأب بشارة، وقد رافقه في شبابه في صيدا ودير المخلّص. كان يحمل الصليب ذخيرةً يفتخر بها كأجمل إرث يتركه لولد الولد. عند وفاة الأب بشارة أخذ على عاتقه تهيئة ضريحه في حائط كنيسة دير المخلّص

– في ٦ أيار ١٩٢٩، وبعد أسابيع من الجفاف والحرّ في إقليم الخرّوب، صدف مرور الأب بشارة أمام الأب العامّ قاصدًا الكنيسة. فبعد أن قبّل يده كعادته، قال له الأب العامّ: “أدخلْ وقُلْ ليسوع ليُنزل المطر رأفة بالأطفال”. أجابه: “أنا خاطي يا بونا العام”. أجابه الرئيس: “ما بعرف أدخل فالطاعة تقدّس النيّات”. وبعد ساعة من الصلاة تغيّر الطقس وأرعدت السماء، ونزل المطر بغزارة غير عاديّة

– قرب دير المخلص قرية صغيرة يعمل أهلها في أرزاق الدير، وبعض النساء تعملن في دير الراهبات. وكانت إحداهن، واسمها وردة رحّال، تعمل في غسيل ثياب الرهبان. وكانت مصابة بداء خبيث في عينَيها ذاقت منه مرّ العذاب. ففي أحد الأيّام، اختارت ثياب الأب بشارة لتغسلها وهي تقول في نفسها: “هذا الخوري قدّيس يجب أن يشفيني”. وبإيمان كبير أخذت من ماء الغسيل وغسلت وجهها وخاصّة عينَيها. وفي اليوم الثاني طابت وتركت مجموعة الأدوية التي عندها

– جاءنا شابّ من دير القمر لزيارة قبر الأب بشارة، وحدّثنا أنّ والدته عندما ولدت الصبيّ البكر، كان الأب بشارة كاهن رعيّة دير القمر، فجاء ليصلّي على الوالدة والطفل الجديد. وقال لوالدتي: “الله يباركك رح تجيبي سبع صبيان”. فصاحت والدتي: “دخلك أبونا بدي بنت كمان”، فأجابها بعد صمت صغير: “تكرمي وكمان بنت”. وتابع الشابّ: “أنا الصبيّ السابع وأختي الصغرى تزوّجت مؤخّرًا. كلّنا في دير القمر والجوار نعتبر الأب بشارة خوري قدّيس ونأتي نتبارك على قبره”

– في ١٦ كانون الأول ٢٠٠١، مرّ القيّم العام للرهبانية المخلّصيّة في زيارة إلى القاهرة (مصر) لتفقّد أملاك الرهبانيّة هناك. وزار عائلة فتيّة حاولت كثيرًا مع الأطبّاء مدّة سنوات لإنجاب البنين، وباءت محاولاتُها كلّها بالفشل. فأعطى الكاهنُ الزوجةَ صورةً للأب بشارة كانت في جيبه، وطلب منها أن تستشفعه لدى الله في مرامها. ففعلت. وعاد القيّم العامّ بعد أربعة أشهر إلى مصر في زيارة أخرى ليُفاجأ بالخبر السارّ الذي بادرته به تلك السيّدة بأنّها حبلى بتوأم!

– كان السيّد جوزيف سمعان يشكو من ألم حادّ في ظهره، يمنعه من الحمل والانحناء والحركة بسهولة. وقد أمر له الأطبّاء بعمليّة جراحيّة ضروريّة، بعد إجراء الفحوصات الطبّيّة اللاّزمة. وفي أحد الأيّام من سنة ١٩٩٨، وفي زيارة لأقاربه، وقعت يدُه على منشورة للأب بشارة أبو مراد تسرد عجائبَ جرت بشفاعة خادم الله. فطلب إلى زوجته أن تقرأها أمامه واضعة يدَها على ظهره، وصلّى إلى الأب بشارة، وهو يقود سيّارته. فما انتهت من القراءة حتّى شعر بلهب ساخن يخترق ظهره تبعته قشعريرة. وما إن وصل إلى البيت، حتّى تبيّن له أنّه قد شُفي، إذ بدأ بالانحناء كالعادة دون أيّ وجع. وتبيّن لاحقًا من الفحوصات الطبّيّة أنّه لم يعد بحاجة إلى أيّ عمليّة، وأنّه شُفي تمامًا

٤– صلِّ مع “أبونا بشارة”

يا “أبونا بشارة”… “يا فَقيدَنا الشيخَ الأبَرَّ والراهبَ القَانِت، والكاهنَ التَقيَّ الجَليل، لقد طِبْتَ حَيًّا وَمَيتًا. فَهنِيئًا لك! لا تَنسانَا يا أبَانا البارّ! واشفَعْ لَنَا بَين يَدَي ربِّكَ. واذكُرْ أُمَّكَ الرَهبانيَّةَ في عَلياءِ مَقَامِكَ. واذكُرْ كُلَّ فَرْدٍ مِن بَنِيكَ وإخوانِك

ونَحنُ نُبادِلُكَ الذِكرى ولا نَنسى طَلعَتَكَ المَهيبَةَ المُوقَّرَة، وشَيبَتَكَ الصَالِحَة، ومُحَيَّاكَ الوَضِيءَ بِنورِ الروحِ القُدُس، وأخَلاقَكَ الرَضِيَّةَ، وتَقواكَ النادِرَةَ وعِبادتَكَ المُثلَى، وخُشوعَكَ الجَذَّاب، وإرشاداتِكَ اللطِيفَةَ المُؤثِّرَةَ، وكَلامَكَ العذْبَ، وسجودَك وركوعَكَ، وصومَكَ وصلاتَكَ ودموعَكَ، وحياتَكَ الحافِلةَ بِفضَائلِ الشهداءِ والآباءِ القدِّيسينَ والنُسّاكِ البَرَرَةِ الصَالِحين

(…) لَقَد لَبِثْتَ سَجينَ الجسدِ اثنتينِ وثَمانينَ سنةً. فَطِرِ اليومَ إلى فِردوسِكَ كَمَا يَطيرُ العُصفورُ مِن قَفَصِهِ، وانعمْ بالضِياءِ الأزَليّ، وذُقْ حَلاوَةَ النَعيمِ الباقي بعدَ ما ذُقتَ كَثيرًا مَرَائرَ الحياةِ الفَانية (…). فاثبُتْ في السماءِ لأنَّكَ ثَبَتَّ على البِرِّ والتَقوى في خِدمةِ الربِّ على الأرض. فَهَا إنَّه يُعطيكَ اليومَ أَسنَى الجوائزِ ويُناديكَ: “أَحسنتَ أيُّها العبدُ الصالحُ الأَمين، قَد وُجدْتَ أمِينًا على القليلِ فَسَأُقِيمُكَ عَلَى الكَثير، أُدخُل إلى فَرَحِ رَبِّكَ

فَقَرةٌ مِنَ التَأبينِ الذي ألقاهُ الأبُ نقولا أبو هَنَا المخلّصيّ، في جُنّازِ الأبِ بشارة في كنيسةِ ديرِ المخلّص، في ٢٣شباط ١٩٣٠

صلاة لنيل تطويب الأب بشارة أبو مراد
أيّها المخلّص الكريم، يا من لا يزال يسكبُ غزير نِعمه على كهنته، الذين هم ميراثه الخاصّ، لتقديسهم ولخير شعبه. نطلب إليك ضارعين، أن تتنازل فتمجّدَ خادمَكَ الأمين الأب بشارة أبا مراد، الذي سار أمامك في الكمال الرهبانيّ والكهنوتيّ، وعبدَكَ بالبرِّ جميعَ أيّامِ حياته. أظهِرْ فيه أيّها السيّد، قدرتكَ إن حسُن لديك، ليتلألأَ كنجمٍ وُضّاءٍ في سماء كنيستنا الشرقيّة الساطعة بأمجاد قدّيسيها. فيعلمَ الجميع أنَّ ينبوعَ القداسةِ لا ينضُبُ في كنيستك المقدّسة. إرتضِ بأن تُكلَّلَ هامُ كاهنِكَ الأمين بإكليل الطوباويّين، لنقدِرَ أن نتّخذَه مِثالَ الكمال، مُقتَدِين بفضائله، فيتمجّدَ اسمُكَ القدّوس، أيّها الآبُ والابنُ والروحُ القدس. آمين

نقولاوس نبعة
مطران صيدا ودير القمر وما يليهما


Share