Home

تأمل الأحد العشرون بعد العنصرة

15 octobre 2017 Father Gerard Abi Saab إنجيل الأحد


تأمل الأحد العشرون بعد العنصرة إنجيل القدّيس لوقا 8:5-15

مثل الزارع من أهم النصوص الإنجيليّة المحبوبة إلى قلوبنا، وأكثرها وضوحاً لدينا. سأل التلاميذ الربّ يسوع عن المثل وشرحه لهم، كما سمعناه في هذا المقطع الإنجيليّ اليوم
فالزارع هو الله، والزرع هو الكلمة، والأرض بأنواعها هي أصناف البشر
من الواضح بدءاً، أن المسيح لا يتكلّم عن صعوبة الإثمار، وإنّما عن شروطه. على عكس الانطباع الأوّل الذي يتولَّد عندنا لدى سماع هذا النصّ يتكلّم عن الطريق والصخر والأرض الملآنة بالشوك وعن موت الثمار فيها. كلّ أرض – كلّ أنواع البشر- هي صالحة في حال لم نحوّلها إلى طريق أو نقسّيها كالصخر أو نترك الأشواك تملؤها
المشكلة إذن لا تكمن في طبيعة الأرض. فطبيعة الطريق هي عينها للأرض الصالحة، إلاَّ أنّها حُوِّلت ممرّاً يدوسه الجميع فلا يُثمِر. وكذلك طبيعة الصخر من مادة الأرض الصالحة نفسها لكن ذلك على السطح فقط
والربّ يسوع حين يعطي هذا المثل يُعبِّر فيه تماماً عن تصوره لمواقفنا البشريّة تجاه زرعه للكلمة

ويعبّر بذلك عن الأسباب التي تقتل كلّ ما يزرعه فينا لكي نبقى دون ثمر
السؤال الأوّل الذي يتبادر إلى ذهن كلّ مِنّا حين يسمع أو يقرأ هذا النصّ هو: كيف أستطيع أن أكون أرضاً صالحة وليس كالطريق أو الصخر أو الأرض بالأشواك؟
أوّل شرط من أجل هذه الغاية، هو ألاَّ نكون كالطريق التي يدوسها الجميع. أي ألاّ نكون معبراً لكلّ قدم دون أي رادع أو ضابط، وأرضاً مباحة لكلّ مارٍّ تَنْقَضّ عليها كلّ طيور السماء وتنـزع منها الكلمة الإلهيّة

كم من المسيحيّين هم طريق لكلّ إيديولوجيا غريبة صالحة كانت أم سيئة! يبسطون أنفسهم معبراً لكلّ التيارات المارة. والسؤال العكسي أوضح، مَنْ مِنَ المسيحيّين يراقب الداخل والخارج وما يمرّ عليه وما ينقضُّ فوقه من سياسات وأفكار ومناهج وإعلام
راقبوا كيف يتابع المسيحيّون الإعلام! إنّهم يتشرّبون كلّ الأفكار دون أي فحص أو تنقية، بدل أن يحكموا عليها على ضوء الإنجيل! مَنْ منّا يمتحن ما يُقدَّم له من برامج تربوية أو مناهج التدريس؟ مَنْ يفحص على ضوء الإنجيل كلّ فكر حزبي أو سياسي أو ثقافي؟ إننا سلعة رخيصة مباعة لكلّ عابر سبيل ولأيّة إيديولوجية يُشيّع لها وكأننا لا نملك الأرض الأساسية للإيمان
المسيحيّ لا ينغلق فيقرأ إيمانه فقط ويقف هناك، حاشى! لكنّه يمسح تحت نور الكلمة الإلهيّة كلّ الأفكار ويطالع بضوء هذه الكلمة كلّ الإيديولوجيات موجهاً ومقوماً ومصلحاً. المسيحيّ يسلّط نور الإنجيل على ما في القلب والذهن
هذه الحركة بالذات يسميها الأدب المسيحيّ بالـ « سهر » أو الـ « يقظة » أي أنّه يسهر على الكلمة المزروعة في قلبه ويدقق على ضوئها كلّ ما يُقدَّم له أو يتعرّض إليه. الكلمة الإلهيّة رُمِيَت في أرضنا، والأرض للكلمة ولهذه الكلمة فقط. هذه الكلمة ليست لقمة سائغة لأيٍّ كان يحلو له أن يمّر بنا أو ينقضّ علينا. علينا إذن أن نتمسك بالزرع مقابل الطيور والعابرين، فالحبّ المرمي في أرضنا أثمن من أقدام المارّين ومناقير كلّ طائر أو غريب

علينا أن نبقى عليه « ساهرين ».. الشرط الثاني هو ألاَّ نكون كالصخر، أي نتعامل مع زرع الكلمة بسطحية ونأخذ الدين بدون جوهره ونمارس العبادة كالعادة، ونحفظ من المسيحيّة القشور. فنرى في الإنجيل قصصاً ووصايا وتقف الصلاة عند الواجب إن لم تنقلب إلى حضيض الفريسيّة، أو نمارس الطقوس والليتورجيا دون عمق أو حياة، أو نحيا في الكنيسة سطحيّين
والواقع أنَّ أيّة ممارسة أو فضيلة مسيحيّة لا نبلغ منها إلى العمق، الذي هو المسيح، تبقى ممارسة سطحيّة ينبت عليها الثمر ولكن يموت بعد حين
العديد من المسيحيّين يحبّون المسيحيّة ولا يحركهم أقلّ شعور أو خشوع تجاه المسيح. المسيحيّة تختلف عن كلّ الأديان بأنها ليست « ديناً » فهي ليست شريعةً ولا كتاباً، إنّها الحياة المسيحيّة التي الربّ يسوع هو مركزها. الحياة المسيحيّة تساوي بكلمة واحدة اللقاء بالربّ يسوع. داؤود النبي يقول: « جعلت الربّ أمامي في كلّ حين »، وبولس الرسول: « لستُ أنا أحيا بعد بل المسيح يحيا فيَّ ». من وراء كلّ فضيلة مسيحيّة، ومن كلّ ممارسة وعبادة في كلّ لحظة، علينا أن نلتقي بالمسيح. في الإنجيل لا أقرأ قصّة وإنّما أقابل المسيح، بالإحسان لا أعطي صدقة ولكنّي أشارك المسيح حاجته، في الصلاة أيضاً لا أتلو أو أرنم إنّما أخاطب المسيح

العمق في المسيحيّة هو « الصلاة » أي اللقاء بالربّ يسوع. لذلك الحياة المسيحيّة هي « حياة الصلاة »، من حيث أن الصلاة ليست تلاوات في كنائس أو في زوايا البيوت… وإنّما هي « فكر المسيح » فيَّ دائماً عند كلّ حدث ومن كلّ نصّ وبعد كلّ تصرّف. المسيحيّ والمسيح في لقاء حيّ دائم في كلّ مكان وكلّ زمان. إن لم نصل إلى هذا العمق فنحن سطحيّون حتّى في صلاتنا
إن لم يكن لقاء المسيح هو غاية كلّ حركة في حياتنا -أي الصلاة- فنحنُ ولا بدّ سنعامل الحياة بسطحية. المسيحيّة كنظرية دينيّة لا تستحق أن نضحّي من أجلها بمصلحة ما، لكن عندما أحيا مع المسيح الحيّ، كما عرفه بولس الرسول، ليس كمؤسّس شيعةٍ ما قد مات، ولكن الحيّ إلى الأبد والآتي؛ عندها المسيحيّ لا يجد صعوبة في فراقه أيّة مصلحة ولا يرهب أيّة خسارة ليربح ذلك. عندما يملؤه حبّ المسيح لا يعتبر لأي خوف
ويعرف آنذاك كيف يقرأ الزمن بالعمق ويواجه الحياة بواقعية، ويمدّ للزرع في حياته جذوراً لا تحرقها شمس ظهيرة ولا تقتلعها ريح مصلحة، وإنّما ينمو زرعه ويأتي بثمرٍ كثير. إذن معيار العمق، هو أن يتحول كلّ شيء من السطحية إلى « الصلاة

والشرط الثالث هو ألاَّ نسمح بخلط الزرع بالأشواك أي ألاَّ ندمج الدنيا بالدين -مع التحفظ للكلمات- وألاَّ نساوي بالكرامة بين الربّ والدنيا. الأرض الثالثة الملآنة بالأشواك هي كالمسيحيّين الذين يحبّون الله كثيراً ويحبّون الكلمة كثيراً ويحبّون الكنيسة كثيراً، ويحبّون الدنيويّات كثيراً، وفيهم الكثير من المحبّات لأمور متعارضة
لا ينبت الزرع في الأشواك ومع لذّات (الدنيويّات) لا تليق بالحفاظ على الكلمة. لا يمكننا أن نعبد ربّين، والدنيا مُراءاة إن أحببنا متناقضَين
أيديولوجية الدهر المعاصر هي القناعة بأنّه يمكننا أن نماشي بين حب الله والشراهة مثلاً، بين حب الكلمة والجشع، بين حبّ الفقير وحبّ الذات، وأن نساير بين قبول سموّ الرسالة ودناءة المصلحة والمادّيات

فكر العصر يخاطبنا بأنّه ممكن أن نكون أرضاً لأشواك إلى جانب الكلمة. فلسفة الدهر خدعة شيطانيّة تقول للربّ: « ممكن لنا أن نعبد ربَّين »، وتعرف أن تتعامل مع الله بأن تعطي له حقه وللأرباب الأخرى حقوقاً، وربّنا نارٌ آكلة لا تتواجد مع أرباب الدهر
المسألة مسألة قلب بما يختصّ شهوته الداخلية، هل القلب لله وهل رغباته سامية أم أننا أرض للأشواك؟ هنا دور الأصوام في حياة المسيحيّ. الصوم هو توجيه الرغبات. الصوم إصلاح « الذوق » البشريّ وتقويم « العطش » الإنسانيّ. فلا يمكن للقلب أن ينشطر إلى نصفَين والربّ يقول: « يا بنيَّ أعطني كلّ القلب ». الشرط الثالث إذن هو « الصوم
ترتل الكنيسة للأبرار، مستوحية ذلك من هذا المثل، « أنَّك بالأسهار، والأصوام، والصلوات، تقبلتَ المواهب السماويّة (أي الزرع)، فأثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضعفٍ ». هذه الفنون الثلاثة هي الفلاحة الحقيقيّة التي تجعل أرضنا صالحة عوض الطريق وتفتّت صخر القساوة وتقتلع الأشواك من الحياة المسيحيّة

وأجمل العبارات هي ما يختم به النصّ الإنجيليّ: « من له أذنان للسمع فليسمع

آميــن

 

الأب جيرارد أبي صعب

 


Share