ما معنى الثقة بالله؟ هل هي فقط المثابرة على الصلاة وعلى التقاليد والقدّاس؟ هل نشعر أحيانًا أنّ الخوف واليأس والألم تخنقنا؟
الألم أمر طبيعيّ، أمّا غير الطبيعيّ فهو أن نغرق في اليأس ونحدّق في ألمنا. أحيانًا نستعجل كثيرًا الحصول على جواب أو إنجاز مشروع. نندفع باستمرار نحو أهداف جديدة ومواعيد جديدة، ومع أنّنا نعمل ذلك من أجل الله، لا نعمله مع الله. نتّخذ القرارات من دون أن ننتظر جوابه. وحين نبدأ بالخسارة – خسارة أشخاص من حولنا، أو عملنا، أو مسيرتنا المهنيّة، أيًّا كان – ننهار ونصرخ إلى الله: «لماذا تُمرّرني بهذا؟»
تعلّمت أن أسأل بدلًا من ذلك: «ماذا يريد الله أن يقول لي في هذا الوضع؟» فيجيبني: «يا قَليلَ الإِيمان، لِماذا شَكَكْتَ؟» (متى ١٤: ٣١).
ألم نطلب حضور الله في حياتنا؟ ألم نطلب: «اجعل قلبي مثل قلبك»؟ ألم نطلب من الله: «لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ في الأَرْضِ كما في السَّماء»؟ فلماذا نتفاجأ حين نرى علاقاتنا وطباعنا وأذواقنا وأصدقاءنا وممتلكاتنا، كلّ ما كان لنا قبل اهتدائنا، تنهار أمام كلمة الله الأزليّة؟ الحقّ أقول لكم، يقول الكتاب المقدّس: «فإِذا كانَ أَحَدٌ في المسيح، فإِنَّه خَلْقٌ جَديد. قد زالَتِ الأَشياءُ القَديمة وها قد جاءَت أَشياءُ جَديدة» (٢ قورنتس ٥: ١٧). كيف نظنّ أنّنا سنحتفظ بالقديم في حياتنا فيما الله يجدّد أساساتنا، أي نفسنا؟
تخلَّوا! استسلموا للنعمة التي يمنحكم إيّاها الله. لا تخافوا ممّا قد تخسرونه… لا شيء ممّا هو في يد الله يمكن أن يضيع. حتّى الصديق الذي قد يكون الآن تحت التراب، سيُقيمه الله ويمنحه الحياة بكلّ معناها، لأنّ «ما يُعجِزُ النَّاسَ فإِنَّ اللهَ عليه قَدير».
الله يفي دائمًا بوعوده: «لأَنَّكَ حَفِظتَ كَلِمَةَ ثَباتي، سأَحفَظُكَ أَنا أَيضًا في ساعةِ المِحنَةِ الَّتي ستَأتي على العالَمِ كُلِّه لِتَمتَحِنَ أَهلَ الأَرض» (رؤيا ٣: ١٠). لن نُترَك أبدًا إذا سلّمنا ذواتنا بالكامل لله: «ورَحمَتُه مِن جيلٍ إِلى جيل لِلَّذينَ يَتَّقونَه» (لوقا ١: ٥٠).
يقول لنا الكتاب المقدّس إنّ أوقات الألم ستأتي وستكون أسوأ من أيّ وقت مضى: «فاحذَروا، فقد أَنبَأتُكم بِكُلِّ شيء» (مرقس ١٣: ٢٣). ستدوم بعض الوقت. لا تستعجلوا الأمور بحسب توقيتكم، ولا نتّخذ القرارات لمجرّد أنّنا لم نتلقَّ بعد جوابًا من الله. نريد أن ينتهي كلّ شيء بسرعة وأن يُحَلّ كلّ شيء في الحال، ولكن ما هي خمسون يومًا عند الله؟ أو سنة؟ أو حتّى خمس سنوات؟ لم يتردّد في أن يجعل شعب إسرائيل ينتظر أربعين سنة في البرّيّة، لأنّهم لم يكونوا مستعدّين. نحن في مسيرة. الله يكوّننا ويبني أساساتنا.
لا ننسَ أنّ مجد الله ينعكس من خلال الألم. بعد كلّ خراب، يمنح الله نعمًا أعظم سبع مرّات لمن بقوا أمناء له. حتّى يسوع على الجلجلة، مع أنّه إله بالكامل، صرخ في بشريّته: «إِلهي، إِلهي، لِماذا تَرَكْتَني؟» ولكن ماذا فعل الله بعد هذا اليأس؟ سمح ليسوع بأن يفتدي العالم. وهو يجدّد هذه الذبيحة نفسها كلّ يوم في القدّاس. هل من أعجوبة أعظم؟
نحن أيضًا نمرّ بليالٍ مظلمة للروح، كما وصفها القدّيس يوحنّا الصليب. لنترك لله المجال ليصنع العجائب من خلالنا. لم يصنع يسوع هذه الأعجوبة لأنّه إله، بل لأنّه إنسان، إنسان تمّم مشيئة الله بكمال. لا نظنّنّ ولو لثانية واحدة أنّ الله لن يكافئ أمناءه، الذين يعيشون في الحقّ. ألمنا لا شيء بالمقارنة مع ما أعدّه الله لنا. إنّه لا شيء. لنحفظ قوّتنا لما هو آتٍ، لأنّنا سنجوب العالم لنساعد النفوس على إيجاد الطريق من جديد.
نختم كلّ صلاة بكلمة «آمين»… فهل نعرف معناها؟
تُترجَم «آمين» غالبًا بـ«ليكن كذلك»، لكنّها تعني أيضًا «حقًّا». حين نقول آمين، نعلن إيماننا ونؤكّده. إنّها جواب يعبّر عن موافقتنا على ما قيل.
لذلك أدعونا جميعًا إلى أن نعود إلى الصلاة، ولكن أن نختمها هذه المرّة بتأكيد، بثقة عمياء وإعلان للحقّ: «لتكن مشيئتك»… الأبانا…
بقلم تريسي كرم






