تحت سماءٍ مثقلة بالمطر، وبين أنقاض هيبّون القديمة الصامتة، تحوّل عمل بسيط إلى رسالةٍ للعالم كلّه. فقد قام البابا لاون الرابع عشر، أوّل حبر أعظم يزور الجزائر، بزرع شجرة زيتون في الأرض نفسها التي عاش فيها القديس أوغسطينوس.
عملٌ متواضع. ومعنى عظيم.
في صباح يوم الثلاثاء، ١٤ نيسان ٢٠٢٦، في مدينة عنّابة، كان المطر يهطل بغزارة. ومع ذلك، لم يستطع لا الطقس العاصف ولا الطرق المبللة أن يُخفّفا من عمق اللحظة. وقف الأب الأقدس وسط بقايا هيبّون القديمة، وسكب بضع قطرات من الماء على شجرة زيتون صغيرة، مستخدمًا إبريقًا نحاسيًا بسيطًا.
هذا العمل، الغنيّ برمزيّته عبر العصور، يعبّر عن الحياة والسلام والمصالحة. لكنّه هنا يكتسب معنى أعمق، لأن هذه الأرض هي التي علّم فيها القديس أوغسطينوس، وصلّى، وكتب، وقاد شعبه كأسقف هيبّون منذ سنة ٣٩٥ حتى وفاته سنة ٤٣٠.
إنّ زرع شجرة زيتون في هيبّون هو ربطٌ بين زمنين. وبما أنّ البابا لاون الرابع عشر هو عضو في رهبنة القديس أوغسطينوس، فهو لم يَعُد فقط إلى أرضٍ غنيّة بالتاريخ، بل عاد إلى ينبوع روحيّته نفسها.
وشجرة الزيتون هذه ليست عاديّة، إذ هي مأخوذة من شجرة زيتون عريقة في سوق أهراس، مسقط رأس القديس أوغسطينوس، والتي تُرجِعها التقاليد المحليّة إلى ما يقارب ٣٠٠٠ سنة.
وهكذا تصبح هذه الشجرة الصغيرة جسرًا حيًّا بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والمستقبل، وبين الشعوب.
وعلى أنقاض «بازيليك السلام»، حيث كان أوغسطينوس يعلن محبّة الله ووحدة القلوب، أصبحت هذه الشجرة مغروسة اليوم. رمزٌ هادئ، لكنّه عميق.
تشكل زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى الجزائر، من ١٣ إلى ١٥ نيسان ٢٠٢٦، حدثًا تاريخيًا، إذ لم يسبق لأي بابا أن زار هذا البلد ذي الأغلبيّة المسلمة.
في الجزائر العاصمة، زار الجامع الكبير، في علامة على الانفتاح والحوار، ثم صلّى في بازيليك سيّدة إفريقيا، مودِعًا لدى الرب مسيرة الأخوّة بين الأديان.
وفي عنّابة، احتفل بالقداس الإلهي في بازيليك القديس أوغسطينوس، بحضور مؤمنين جاؤوا من مختلف أنحاء إفريقيا، بعضهم سافر لأكثر من ٢٠ ساعة ليشارك في هذا الحدث.
وفي قلب أنقاض هيبّون، كان كلام البابا واضحًا “يمكننا أن نعيش إخوة إذا بنينا السلام معًا.”
في عالمٍ تسوده الانقسامات والصراعات والتوترات، يتحوّل هذا العمل البسيط إلى كلمة نبوية.
لم يكتفِ البابا لاون الرابع عشر بالكلام عن السلام، بل زرعه.
وعندما تنصرف الجموع، وتُطفأ الكاميرات، ويتابع البابا رسالته في بلدان أخرى من إفريقيا، ستبقى شجرة الزيتون.
راسخة في الأرض الجزائرية، حاملةً ذكرى أوغسطينوس، ونفحة دعوة عالمية إلى الأخوّة.
لأنّه أحيانًا، لتغيير العالم، يكفي عمل بسيط…
في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، بقلبٍ منفتح على الله.
صوت الرب – إعلام كاثوليكي
حقوق الصورة: © Vatican Media
