تأمل الأحد الثالث من الصوم “أحد السجود للصليب المقدس “

تأمل الأحد الثالث من الصوم “أحد السجود للصليب المقدس “. مرقس٩:١-٣٨

إن الإنسان لا يفلح في جهاده ضدّ الخطيئة إلاّ إذا جاهد وهو متّحد بالمسيح، وها الصليب مزروع في وسط الصوم الكبير ليشددنا ويكون لنا سلما سماويا نرتفع فيه مع المصلوب إلى العلى ونقوم معه فنبلغ السماوات. في ٦ آذار عام ٣٢٦م، وجدت الصليب الكريم القدّيسة هيلانة والدة الأمبراطور القدّيس قسطنطين الكبير. وكان من المفترض أن تعيّد الكنيسة لرفع الصليب في هذا اليوم، أي ٦ آذار. إلاّ أنّ الأمبراطور كان يبني هيكل القيامة في القدس، ولذلك لم يُتمّ رفع الصليب إلاّ سنة ٣٣٥، في ١٤ أيلول، بعد أن تمّ تدشين كنيسة القيامة في اليوم السابق، ١٣ أيلول. كانت القدّيسة هيلانة قد رقدت منذ سنة ٣٢٧.

ولكن بما أنّ الصليب تمّ وجوده في ٦ آذار (تقويم شرقي)، وكان ذلك في الصوم الكبير، لم يكن في وسع الكنيسة أن تتغاضى عن هذا الحدث العظيم، فعيَّّنت السجود للصليب كلّ سنة في الأحد الثالث من الصوم الكبير.وأعطته مكانة سامية .

في هذا اليوم يقترب انتصاف الصوم ونرى ان بعضا من المـؤمنين يملّون هذا الجهاد ويتعبون. وحتى لا يتركوا هذه الريـاضة، ولئلا يقعوا في التجـربة، رفعت الكنيسة-الأم الصليب أمام أعينهم في طواف، فيتقدمون للسجود له ويعانقونه ليوحوا لأنفسهم أنهم مصـلوبون مع المسيح ويشتاقون الى قيامته. ‏‎واذا ما قبّلوا الصليب مرفوعًا على صينية ومحاطًا بالرياحين او الزهور، يعطي الكاهن كل واحد منهم زهرة ليذكروا بأنه بالصليب قد أتى الفرح كل العالم، وهكذا يتشدّدون. ‏‎وبسبب هذه الذكرى نقرأ الفصل الإنجيلي حيث يقول الرب: “من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. انها دعوة ان نتبع يسوع في حياتنا اليوميّة وان نستوحيه في كل ما نعمله وان نطيع تعاليمه وألّا نتبع سواه او شهواتنا.

فإنّ الصليب هو منطلق سائر الخيرات: عند الصليب ماتت الخطيئة وعنده مات الموت .لم ينته الأمر في الصليب، بل تبعته القيامة. الربّ لم يعبر إلى القيامة إلاّ بالصليب ، وقد قال فيلسوف ملحد ساخراً من المسيحيّين : “المسيح هو آخر مسيحيّ”. هذا هو تحدّينا الدائم، أن نبرهن أننا مثلُ مسيحنا، وإلاَّ فالمسيحيّة ماتت مع المسيح على الصليب!

هناك عدّة أعيادٍ نعيِّد فيها للصليب المقدّس، أهمّها عيد رفع الصليب في الرابع عشر من أيلول، واليوم عيد السجود للصليب الكريم في وسط الصوم الأربعيني المقدّس. إنّنا نلاحظ الاختلاف في النصّوص الإنجيليّة المختارة لهذه الأعياد. ففي عيد “رفع الصليب” نقرأ رسالة بولس الرسول حيث يقول إنَّ الصليب هو فخرٌ لنا بينما هو عثرةٌ للآخرين وجهالةٌ للأمم، ويتكلّم الإنجيل عن حادثة صلب المسيح بين لصَّين. وذلك كلّه عودة إلى معنى العيد بالذات، وهو العثور على صليب المسيح عندما وجدتْه الملكة هيلانة، واعتباره علامة الظفر المسيحيّة.

أمَّا في قراءات الكتاب المختارة لهذا اليوم، وهو عيد “السجود للصليب”، فإنّنا نقرأ نصّاً من الرسالة إلى العبرانيين الذي يتكلّم عن المسيح كرئيس كهنة وعن ذبيحته. ويحدِّثنا الإنجيل، ليس عن الصليب كتاريخ، وإنّما عنه كقضية. يكلّمنا عن بذل الذات عند تلاميذ المسيح.

نعم، إنَّ صليبَ المسيح، رئيسِ الكهنة، كان مذبَحَهُ. الصليب هو المذبح الذي صار عليه المسيح مُقَدِّماً ومُقَدَّماً، ذابحاً وذبيحةً، كاهناً وضحيّة. هذا هو المعنى الحقيقيّ للصليب، “المذبح”. لهذا نسجد له. لهذا نعلّقه على صدورنا، نرسمه، ونرفعه في المنازل… إنَّ كلّ مكانٍ يجب أن يتحوّل إلى مذبحٍ يقدّم المسيحيّ فيه وعليه نفسَه ذبيحةً. وإلا يحقّ قول الفيلسوف فينا: المسيح هو آخر مسيحيّ.

يُعرَف المسيحيّون من رسالة الصليب، أي من تقدمة ذاتهم الدائمة على هذا المذبح ذي الخشبتين الأفقية والعمودية. والمسيحيّون فخورون، ويستخدمون الصليب المقدّس في كلّ آن وكلّ مكان. نبسط الصليب مذبحاً، لنقدّم كلّ عَمَلٍ ذبيحةَ حبٍّ عليه. حين نحمل الصليب على صدورنا، يصير في الواقع هو من يحملنا. كلّ مكانٍ رُفِعَتْ أو رُسمتْ عليه إشارةُ الصليب يشبه الحجارة التي بناها إبراهيم ليقدّم عليها إسحق ذبيحةً. الصليب مذبحٌ للربّ.

لنرسم الصليب قبل الطعام، فندرك أنّ حقّنا منه هو حدّ الحاجة. وأنّ ما بعد ذلك هو حقّ الآخر، وإشباع الأنانيّة مرفوض. لنرسم الصليب قبل أن نتصرّف بأيّ مبلغٍ، فندرك على الفور أنَّ المال ليس لنا، وأنَّ حقّنا فيه هو حاجتنا، والآخرون هم أصحابُ الباقي منه. لنرسم الصليب فوق كلّ مشهدٍ، ولندرك أنَّ لنا منه العفّة فقط. لنذكر الصليب أمام كلّ كلمةٍ ننطق بها فيقودنا إلى الحكمة. لنصلب بكلمةٍ أخرى كلّ رغباتنا، فتقوم صحيحةً وهو يطهِّرها من كلّ أنانيّة. ميزة تلاميذ يسوع أنّهم يسيرون في إثره مصلوبين على مذبح الحبّ الحيّ. الصليب مذبحٌ يقلب حياتنا من حياة لصوصٍ إلى حياة كهنة. لصوصيّةٌ هي الأنانيّة. كهنوتٌ هو عطاء المحبّة. حمل الصليب هكذا ما هو إلاَّ الصوم بالذات. هذه الممارسات هي أصوامنا.

الصوم بالعمق هو عملية ذبحٍ دائمةٍ، وجراحه مستمرّةٌ لشفاء أنانيّتنا. يقلبنا الصوم إلى كهنة الحبّ الإلهيّ نحيا ليس لأنفسنا بل كسيّدنا لسوانا. لهذا يترافق الصوم مع الصليب كما المحبّة مع المذبح.

المسيح، محبّة ذبيحة على الصليب. وحبّنا له يرفعنا على صليبنا في الكنيسة لنكون ذبائح ومحرقات حبٍّ وإنسانيّةٍ إلى كلّ إنسان.

هذا هو المذبح الجديد؛ صليبنا اليومي، نحمله في كلّ مكانٍ، تابعين خُطا سيدنا فنصير له تلاميذ، نموت معه على شبه موته ونقوم معه على شبه قيامته.

لصليبك يا سيّدنا نسجد، ولقيامتك المقدّسة نسبّح ونُمّجد. آميــن.

]]>