سيرة حياة القديس البابا يوحنا الثالث والعشرون

سيرة حياة القديس البابا يوحنا الثالث والعشرون.
(١٨٨١- ١٩٦٣)

ولد انجلو جيوزب رونكالي بتاريخ ٢٥ تشرين الثاني ١٨٨١، في بلدة سوتو ايل مونتيه قرب برغام، في عائلة من الفلاحين البسطاء. سيم كاهناً سنة ١٩٠٤، ثم عيّنه البابا بيوس الحادي عشر وسامه أسقفاً. سنة ١٩٢٥ أرسله زائراً رسولياً إلى بلغاريا، وفي سنة ١٩٣٥ أصبح الخورأسقف رونكالي فرئيس أساقفة، ومفوضاً رسولياً في تركيا وفي اليونان وسنة ١٩٤٥ أرسله بيوس الثاني عشر إلى باريس بصفة قاصد رسولي، وهناك قابل الجنرال ديغول، رئيس الحكومة، وقت ذاك، وألقى أمامه خطاب، حفظ خطابه في سائر الدول، للقاصد الرسولي، فكان هناك يعمل، كما قال، بصمت وهدوء، خطوة خطوة. بقي في فرنسا سبع سنوات، زار خلالها كل فرنسا تقريباً، وفيها كان يهدئ النزاع بين المتخاصمين ويولد الثقة في النفوس، ومن أقواله: “أشكر الله أني لم أعقّد الأمور بل حللت الأمور المعقّدة”. التقى، أثناء زيارته لبلدة أميان في فرنسا، بجماعة من الفلاحين الذين أحاطوا به، فقال لهم: “أنتم أبناء الحقول وأنا أيضاً ابن الحقول فأهلي فلاحون مثلكم”. بساطته لفتت الأنظار إليه عندما مثّل الكرسي الرسولي هناك وكان الأول بين المراقبين فأعطى ملاحظات ذات قيمة. وفي ٣٠ تشرين الثاني سنة ١٩٥٢ عٌين كاردنالاً وتسلم قبعة الكردينالية، من يد الرئيس اوريول – هذا إنعام وتقليد قديم لفرنسا – الذي قال له: “إن فرنسا ممتنة لك وتأسف لتركك إياها”. فأجابه الكردينال بكل تواضع: “أتمنى أن تقول عني: كان كاهناً أميناً لكهنوته ومسالماً وبكل مناسبة، نراه صديقاً مخلصاً لفرنسا”. ومع الكردينالية أعطِي لقب بطريرك البندقية.

ثم ترك باريس وذهب إلى روما، ثم إلى دير براغليا حيث اختلى مدة وبعدها دخل باحتفال إلى أبرشيتهحيث استقبله الجميع بحماس. كان يسوس أبرشيته بيقظة الراعي المنتبه إلى كل شاردة وواردة وكان يحمل الألعاب للأطفال المرضى ويزورهم، وكان يعرف كل كهنة أبرشيته ويحبهم واحداً واحداً، مع أنه أضحى، أو كاد يضحي واحداً من أهل البندقية، لم ينس مسقط رأسه ولا عائلته. بكى ثلاثة من أخياته وأخاه جيوفاني، وهو أيضاً، رأى نفسه يتقدم في العمر وظنّ أنه سيموت في البندقية. احتفل بمرور خمسين عاماً على سيامته الكهنوتية في بلدته سنة ١٩٥٤. كان كثير الأسفار، وقد طلبه البابا ليكرس كنيسة القديس البابا بيوس العاشر في لورد، لم يخبئ فرحه في ذلك ولاسيما تلك السنة التي هي المئوية الأولى لظهور العذراء لبرناديت. ولم يكن أحد يشك بأن هذا الكردينال ذو الابتسامة الحلوة والقلب الطيب سيكون عما قريب رأساً للكنيسة.
وهنت صحة البابا بيوس الثاني عشر كثيراً وانتقل إلى الأخدار السماويّة تعالى سنة ١٩٥٨.
امضى الكردينال رونكالي فترة استراحة في قريته لدى أهله، يتذكر أيام طفولته ويبارك إكليل أحد أبناء إخوته قبل عودته إلى البندقية. ذهب، بعد رجوعه إلى البندقية بقليل، مع نائبه المطران لورس كابوفيلا، لحضور المجمع الانتخابي. لم يكن معه، أثناء المجمع الانتخابي، سوى حقيبة صغيرة هي كل ما يملك.
قال أثناء المجمع  وقبل أن ينتخبه الكرادلة: “عندما نسحق الكبرياء تحت أقدامنا، ونضع في قلوبنا المحبة عندها نستطيع أن نقبل ما يطلبه منا الله ونحفظ السلام في قلوبنا”. فما إن انتهى الاقتراع حتى كانت الأصوات كلها، تقريباً له، ثم قال: أدعى يوحنا، وإني أضع ذاتي تحت حماية يوحنا المعمدان ويوحنا الانجيلي، ثم تذكر أيضاً أن أباه يدعى يوحنا. بقي في الباباوية كما كان قبلها ذلك الرجل العادي المتواضع البسيط.
في مساء اليوم الذي توّج فيه حبراً أعظم ٤ تشرين الثاني ١٩٥٨ قال لأمين سره، ما يجول في قلبه: ” لإني أفكر ببلدي سوتو ايل مونتيه وبأبي وأمي”. أما في ساعة تتويجه فقد افتتح خطابه بكلمة من الكتاب المقدس، قالها يوسف الصديق عندما جاءه إخوته، وكان هو قد أصبح وزيراً للفرعون: ” أنا يوسف، أخاكم”. كان يقوم بمهام أسقف لروما، يزور المرضى في المستشفيات ويتحدث معهم باتسامته الحلوة، كما كان يطوف الرعايا في القرى ويتحدث معهم ويسألهم عن أحوالهم. وكان يزور السجناء في سجون روما ويعزيهم بكلامه الجميل ويشجعهم على استئناف حياة لا يشوبها غبار.
في مرضه الأخير زارته الأخت آنا، ابنة أخيه، الراهبة المرسلة في أفريقيا، فقال لها: ” كم هو لطف منك أن تزوريني. إني أشكر رئيساتك، وأبارك جميعكن… ما أحسن الرسالات.”
كان يتمنى أن تقوم الكنيسة بمهمتها الأساسية، الأمومة والتثقيف، لذلك أرسل رسالته العامة: “أمّ ومعلمة” التي استقبلها العالم بأسره على غاية ما يكون من الاحترام والاجلال، فقد أوضح فيها معالم الكنيسة بكل أبعادها والتزاماتها، والتزام كل إنسان تجاه ضميره.
أما أمنيته العظمى فهي وحدة الكنيسة، فكم كان يردّد، في رسالته الأخيرة: “السلام على الأرض” والتي كان لها الصدى البعيد، فهذه الرسالة أضافت إليه لقباً حلواً هو “بابا السلام” مضافاً إلى لقبه: “بابا الوحدة وبابا المجمع”. فقد دعا إلى المجمع في ١١ آب ١٩٥٩، وقال للمنفصلين عن روما: هيا تعالوا نتلاقى معاً فالطريق مفتوح…
قابل جميع الوفود الآتية من جميع أصقاع الأرض من الطوائف المنفصلة: الانغليكان والأرثوذكس والبروتستانت والجميع بكل محبة.
افتتح المجمع بذاته في ١١ تشرين الأول سنة ١٩٦٢ وراح يتتبع الجلسة الأولى من غرفته بواسطة جهاز تلفزيون، ولا يتدخل إلا عندما تدعو الحاجة، وكان في كل ذلك يضرع إلى الله الروح القدس لينير الجميع ويفتح قلوبهم إلى الوحدة الشاملة، وبعده يستشفع بالعذراء القديسة وبالقديس يوسف.

نال جائزة نوبل للسلام وقيمتها مليون فرنك سويسري خصّصه بأكمله لإنشاء مكان يضم ضحايا الثورات والحروب، وبعد ذلك

أصيب بمرض السرطان في جهازه الهضمي، بقي يتألم منه بصبر وفرح. قال في مرضه: “هذا السرير هو مذبح، والمذبح يطلب ذبيحة وها أنا ذا الذبيحة”. كان يردد دائماً: لتكن مشيئة الله. قال لطبيبه كاسباريني: أيها الطبيب، لا تهتم كثيراً لمرضي فإن حقائبي حاضرة، وإني مهيأ للسفر، ساعة يصل القطار”.
كان يستقبل زائريه بكل بشاشة، لم تغادر الإبتسامة وجهه، فقد علّم جميع الناس كيف يموتون بفرح وهدوء وسلام مع الرب، بعد أن علّمهم كيف يعيشون بالمحبة. ولما دخل في النزاع الأخير قال لأخته آسونتا: سأبقى حياً هذه الليلة. وفعلاً بقي حياً تلك الليلة، وفي ليلة ٣٠ أيار طلب أن يمنحوه الأسرار الأخيرة، فناوله الكاردينال كوشينياني القربان الأقدس، بهذه الآية الداودية: “فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب ننطلق” ثم بعد تناوله القربان: صرّح بإيمانه بكل هدوء ورزانة، ثم نال المسحة الأخيرة.
عند موته، نعته جميع إذاعات العالم بكلمات التأسف والاحترام. وضع في الغرفة التي شهدت تألمه، وبقي جثمانه على حاله، فيظنّه الناظر اليه نائماً، وعلى صدره صليب بسيط كان قد اشتراه يوم سيامته الأسقفية، وقد كتب وصيته قبل رحيله وهي أن يوضع هذا الصليب فوق صدره عندما يموت.

إعداد ريتا من فريق صوت الرب