ما هو المديح ولماذا يقام في فترة الصوم

ما هو المديح ولمذا يقام في فترة الصوم ولمذا نقول عن العذراء انها خدرَ العرس الإلهيّ الإنسانيّ والعروس أيضاً. “افرحي يا عروساً لا عريس لها” رتّبت الكنيسة أن نصلي المديح، بالأصل، في سحر السبت الخامس من الصوم. ويتلى يومها بكليّته أي الـ 24 بيتاً. ثم أُدخل، بعد تقسيمه إلى 4 مجموعات من 6 أبيات، على الأربع أسابيع الأسبق أيضاً. وجرى نقله، كما في صلوات الأسبوع العظيم، إلى مساء الجمعة بدل سحر السبت لأسباب رعائية، حيث حضور المؤمنين ممكن أكثر. ولكن ما هي علاقة المديح بالصوم، ولماذا يرتَّل في سحر السبت؟ الترنيمة الأهمّ التي تتكرّر في المديح هي “افرحي يا عروساً لا عروس لها” وتتكلّم عن عرس. كما تسمّى العذراء بالأبيات “خدرَ العرس البتولي” (البيت 19). وهذا العرس البتولي كان غاية الخلق منذ البدء. لقد خلق اللهُ العالم في ستّ مراحل- أيام، ولم يخلق الله هذا العالم ليرميه، وإنّما ليُتحده به ويشاركه في مجده. لذلك خلق الله النور والسماوات والحيوانات… وفي النهاية في اليوم السادس خلق اللهُ العروس التي يريد أن يخطبها لنفسه لا غضن فيها ولا دنس. وهذه العروس هي الإنسان، الذي سوف يشاركه في حياة الحبّ التي في الثالوث. لكن مسيرة هذا العرس الإلهيّ البشريّ تعثرت في الفردوس. ولم يترك اللهُ عروسه الإنسان بل بتدبيره وحبّه أرسل الأنبياء ووضع الشرائع وكلَّ ما تمّ في العهد القديم في سبيل تدريب الإنسان وتنشئته الروحيّة، بحيث يأتي المسيح الكلمة الأقنوم الثاني ويزفّ لنفسه الكنيسة عروساً مجيدة (أفسس 5: 7). فيتّحد هكذا الله بالإنسان أقنوميّاً في تجسّد الربّ يسوع. ويؤسّس المسيح كنيستَه على الأرض، لتَزفَّ إليه كلَّ إنسانٍ يحيا فيها عروساً له. في التجسّد الإلهيّ تمّ الزفاف الحقيقيّ الأوّل والكامل. حين اتّحد الله بالإنسان. وما كان مرجوّاً للسبت الأول في الخلق بالفردوس تحقّق بالتجسّد في شكله الأكمل. وهنا في هذا الحدث كانت العذراءُ هي خدرَ هذا العرس البتولي. في البتول تمّ اتحاد الله بالإنسان، فهي التي جمعت الله بالإنسان وصارت “خدراً للإله الكلمة”، كما تسميها ترانيم المديح. غاية أيّام الخلق الأولى كان يوم الخلق الأخير، عند خلق الإنسان. لا يحتاج الله للخليقة ولكنّه أوجدها من أجل حياة عروسه، الإنسان. الغاية التي أخفقت في الفردوس تحقّقت في التجسّد. وهنا كانت البتول خدرَ هذا العرس الإلهيّ الإنسانيّ. لقد كانت البتول، في هذا العرس، هي الخدر والعروس أيضاً. والآن صارت الكنيسة هي الخدر لهذا العرس لكلّ إنسان أي لكلّ عروس. والبتول هي خادمة هذا العرس. ما تمّ بالبتول يتمّ بالكنيسة اليوم، وكما كانت العذراء خادمةَ العرس عند التجسّد صارت خادمةً لعرس كلّ نفس بشريّة ولتهيئتها عروساً للمسيح. تهيّئ الكنيسةُ النفوسَ من أجل هذا العرس. إنّها الخدرُ الجديد الذي يحقّق ما تمّ بالتجسّد مع المسيح، أي الاتحاد الذي يتمّ بالأسرار والحياة الكنسيّة في كلّ إنسان، أي الاتّحاد بين الله والإنسان؛ الاتحاد بين يسوع وكل نفس بشريّة. هكذا يتحقّق ما يختم به سفر الرؤيا في آخر آيات الكتاب المقدّس، “حيث يصرخ الروح مع العروس تعال أيّها الربّ يسوع”؛ وهذه غاية الوجود الإنسانيّ. التريودي – الصوم الكبير هو أهمّ فترة زمنيّة رتّبتها الكنيسة لتحضير النفس البشريّة وتنقيتها وتهيئتها عروساً للمسيح نقيّة طاهرة. ولهذه الغاية وضعتْ الكنيسةُ الأصوامَ. تعني هذه الأصوام ، من جهةٍ أولى، الانقطاعَ عن الطعام وممارسة الإحسان وتكثيف الصلوات… ومن جهةٍ ثانية، حدّدت الكنيسة بالإضافة إلى ذلك أصواماً ليتورجية أيضاً. تظهر في الخدم الإلهيّة مثل اللباس والخشوع وجوّ التوبة و”الحزن البهيّ”، وذلك طيلة الأيّام الخمسة الأولى من الأسبوع. لذلك حدّدت أيضاً ألا يتمّ فيها قداس إلهي، من حيث أن طابعه هو القيامة والغلبة والنصر. ورتّبت أن نتمّم طيلة أيّام الاسبوع صلواتٍ خشوعية جداً فقط. بحيث يتمّ القدّاس الأوّل يوم السبت، والثاني يوم الأحد. وللمناولة خلال الأسبوع يتمّ استخدام الحمل السابق تقديسه من قداس السبت أو الأحد. فيصوم المؤمنون ليتورجياً من الاثنين إلى الجمعة في جوّ من الحزن البهيّ، يقام يوم السبت القدّاس الإلهيّ، وكأنَّ أيّام الأسبوع كلها هي للاستعداد حتّى يتقدم المؤمنون إلى العرس الحقيقيّ للاتحاد بدم الربّ وجسده الكريمين يوم السبت ثم الأحد. يسهر المؤمن الأيّام الأولى من الأسبوع في الصلاة وأتعاب الصوم والسجدات ليؤهل ذاته عروساً نقيّة يزفّها الربّ يسوع في قداس يوم السبت ثم الأحد عروساً له. لذلك ليلة الجمعة – السبت هي ليلة الزفاف الليتورجي، إنّها ليلة أو – سحر القدّاس الإلهيّ للاتّحاد بالربّ. وهنا في مساء الجمعة ليلة الزفاف الليتورجي لكلّ مؤمن، يلعب المديح ليتورجياً الدور الذي لعبته العذراء كخدر للعرس البتولي الإلهيّ في التجسّد. كما كانت العذراء صلة الوصل بين الله والإنسان في التجسّد، هنا المديح يصير صلة الوصل الليتورجية بين أيّام الحزن البهيّ ويوم الزفاف الإلهيّ للمؤمن. ترتل الترنيمة للبتول “افرحي يا مزيّنة النفوس بزينة العرس”، وهذا ما يحقّقه المديح. لعلّ المفاجأة التي يصطدم بها المؤمن ليلة الزفاف، أنّه يجد ذاته غيرَ مستحقّة لهذا الاتّحاد الإلهيّ. هذا ما يقوم المديح به، إنّه يزيّننا بزينة العرس. حين ينظر المؤمن في العذراء صورته المفقودة، صورةَ العروس الطاهرة، وحين ينشد مرنّماً للعروس الأمّ والخدر والخادمة لكلّ عروسٍ بشريّة، عندها تقوده ترانيمُ المديح إلى طهارة النفس وتنهض به من الحزن البهي إلى فرح الخدر البتوليّ. العذراء هي الخادمة لعرس كلّ نفس. والمديح يلعب هذا الدور. في المديح تتمّ أيضاً شفاعة العذراء، تطهّر عدم استحقاقنا. إنّنا بالمديح ننظر في العذراء المحبّة، والتواضع، والطهارة والتكريس، ونعاين في ترانيمه صورةَ العروس الحقيقيّة المدعوين جميعنا إليها. تكمّل صلوات المديح التوبة التي بدأت أيّام الأسبوع الأولى. أيّام الأسبوع بالحزن البهي هي أيّام التوبة في محاولتها، والمديح مساء الجمعة (عن سحر السبت) يقودنا إلى التوبة في كمالها. لذلك تنطبع أيّام الأسبوع في الصوم بالحزن البهي وينطبع يوم السبت ويوم الأحد بمراسيم الزفاف، زفاف النفس المكتملة بالتوبة. العذراء هي خدر العرس الإلهي في التجسّد وهي خادمة هذا العرس لكلّ نفس. يزفّنا المديحُ ليتورجيّاً في الصوم، بشفاعة العذراء ومثالها الذي يقودنا إلى التوبة، يزفنا بعد أيّام الحزن البهيّ إلى الاتّحاد في القدّاس يوم السبت والأحد. “السّلام عليك يا خدر العرس البتولي” “السّلام عليك يا من تصالحين المؤمنين (بالتوبة) مع الربّ” “السّلام عليك يا مزينة نفوس المؤمنين بزينة العرس” “افرحي يا عروساً لا عروس لها” الأب جيرارد أبي صعب ]]>