"أين غلبتك يا موت وأين شوكتك يا جحيم"

“أين غلبتك يا موت وأين شوكتك يا جحيم”

عكس هذه العبارة البولُسيّة الرائعة هي عبارة أيوب (30، 23): “دارُ ميعادِ كلِّ حيٍّ” هي الموت، وهاتان العبارتان تلخّصان التناقض في النظرة للحياة الموت بين العهدَين القديم والجديد، أي ما قبل وما بعد قيامة المسيح

قبل قيامة يسوع، كان الموت هو الأكيد، فهو انتقال محتوم. لأنّ آدم من “الأديم” – التراب، “ومن التراب وإلى التراب يعود”. لم يعرف الناس في العهد القديم صوراً عن القيامة. وحوار مرتا ومريم مع يسوع حين قال لهما “سيقوم أخوكما”، يدلُّ على انتظارٍ ما عندهما، لكنّه لا يمكن أن يصل لوضوح يعني أنّ جسد الإنسان هذا الترابيّ سيحظى بالقيامة بعد الموت

الإنسان كائن مزدوج الطبيعة. فطبيعته الإنسانيّة الجسديّة في وجهها البيولوجيّ هي مائتة وهي تراب سيعود إلى التراب بحكـم الطبيعــة. والإنســان هو شريــك العـالم

الحيواني بذلك، بالموت. ولكن طبيعته الثانية التي يتصل بها مع الله، أي صورة الله ومثاله في الإنسان، هي طبيعة لا تقبل الموت كنهاية، فالله غير مائت وهي على صورته. لذلك يحمل الإنسان في كيانه هذين العالمين في صراع، تفرض عليه طبيعتُه البيولوجيّة الموتَ بينما ترفض طبيعتُه الروحيّة الموت ولطالما هامَ الإنسانُ وراء فكرة الخلود ووراء “نبتة” الحياة التي تهبه التحرّر من الموت كنهاية. وتاهتْ مع الإنسان الحلولُ والتسوياتُ لهذا الصراع. تقبّل اليهودُ الموتَ كواقع ومصير لكلّ إنسان مع صور مبهمة وباهتة عن بقاء ما في عالم سمّوه الجحيم. واخترعت الفلسفات خلود النفس… لكن قبل قيامة يسوع كان الموت حتميّة والحياة فرضيّة. إلى أن قام يسوع، عندها انقلبت الحقائق وصارت الحياة حتميّة والموت رقاداً، كما سمّاه الربّ عند موت لعازر

يشدّد الكتاب في سفر التكوين على هذا الصراع بين واقع الموت البيولوجيّ وشهوة البقاء الإنسانيّة. لذلك يعلن بصراحة أن الله، عندما خلَق الإنسان، وضع له شجرتين متغايرتَين ومتجاورتَين في الفردوس. كانت الأولى شجرةَ الحياة، وهي رمزٌ لسرّ الخلود والغلبةِ على الموت وإكسيرِ البقاء لحياته الجسديّة القابلة للموت (تك2، 9). لكن الله منعَه من تناول ثمر هذه الشجرة قبل أن ينجح بامتحانه أمام الشجرة الثانية شجرة معرفة الخير والشرّ (تك2، 16-17). وهذا كلام صريح على أن الخلود إمكانيّة موجودة للجسد البشريّ، في حال أن طبيعته الروحيّة نجحت في امتحان المعرفة. إنّ سلامة الطبيعة الروحيّة للإنسان هي التي ستؤهّله لتناول ثمرة البقاء. إنّ قيامة الروح هي التي ستفتح طريق قيامة الجسد أيضاً هذا ما كان ممكناً، ولكن ليس هذا ما حصل. لقد اختار الإنسان الحرُّ في اختبار المعرفة حكمته بمعزل عن الله، وسقط. وصار لا بدّ لهذا الكائن المزدوج في طبيعته، بين الخضوع للموت وبين التمرّد عليه، أن يموت. هذه هي الخبرة اليوميّة لكلّ إنسان. ومهما كانت دراما الموت مؤلمة للكائن البشريّ، فإنّ عليه أن يتجاوزها وأن يقبل ألَمها دون اعتراض

لكنّ يسوع أنهى هذا الصراع، ولهذا جاء “لتكون لنا الحياة”. يسوع هو “الآدمي” الوحيد الذي نجح بالكليّة في اختبار “المعرفة”. ولما صام أمام شجرة معرفة الخير والشر بامتياز امتلك سلطةً على شجرة الحياة. هو وحده إنسان بلا خطيئة. لم يترك، بحريّته، أن تنسحب إرادتُه بعيداً عن الإرادة الإلهيّة حتّى في أصعب اللحظات، وصرخ في معاناته “إن أمكن أبعدْ عنّي هذه الكأس، ولكن لا تكنْ مشيئتي بل مشيئتُك

فضحتْ قيامة يسوع التكتّمَ الطويل عن القيامة. قلبتْ قيامةُ يسوع الحتميات. لقد وعدنا يسوع وعداً صادقاً: “مَن يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط الفردوس” (رؤيا 2، 7). “لأنّه إن كان بخطيئة الواحد (آدم) قد ملك الموت فبالأولى كثيراً الذين ينالون فيض النعمة وعطية البرّ سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح” (رو 5، 17 لم يعدْ إذن الموتُ دفناً بل صار زرعاً. ولهذا عبّر بولس عن زرع في فساد وحصاد في عدم فساد. يُزرع الجسد الفاسد في الأرض عند الموت ويُنتظر أن يقوم في صورته النورانية التي أرانا إياها يسوع بعد قيامته المسيح قام والجنّ تساقطت، المسيح قام والموت قد مات، المسيح قام والجحيم سُبِيَ. فأين غلبتك يا موت وأين شوكتك يا جحيم؟ “إنّنا معيِّدون لإماتة الموت ولهدم الجحيم ولبدء عيشة أخرى أبديّة، متهلّلين ومسبّحين مَن هو علّة هذه الخيرات”، آمين

الأب جيرارد أبي صعب

]]>