خميس السكارى






كثرة الطباخين بتحرق الطبخة
” للأسف نحن الشعوب العربية نحب البلبلة ونتمتع بالأحاديث والقصص المبالغ فيها فقط لأنها مشوقة أو لأنها تدعم رأيا يناسب محدوديتنا الثقافية ويساعد في تثبيت وجهة نظرنا حتى دون التدقيق فيما اذا كنا على صواب ام لا, طبعا فنحن نفكر بعواطفنا أكثر من الاستناد على الوقائع التاريخية والثقافية ,ولا وقت عندنا للمطالعة. من المواضيع التي استفزتني اليوم “خميس السكارى” وهنا كثرت المواقع المسيحية وصفحات الفيسبوك بالاجتهادات وكل يغني على ليلاه.. والأجمل من هذا كله مسحنة الاسم وتحويله “لخميس الذكارى” كمن يفسر الماء بالماء، وهنا اسأل الليتورجيون هل من خميس للذكارى في طقس أي كنيسة شرقية كانت ام غربية؟؟ الجواب طبعا لا. إننا نمحو ثقافة أجيال وتقاليد ورثناها من اجدادنا. وهنا نتهمهم بالجهل او عدم التميز بين حرف الذال وحرف السين. فهل نحن جميعا أولاد مجتمع لا يعرف اللفظ ام نسي تاريخه وحضارته وثقافته الشعبية؟ ان خميس “السكارى” احتفال شعبي موروث من عوائد وثنية كما الكثير من عوائدنا الشعبية الأخرى كقرع الطبول عند خسوف القمر وكسر الأطباق ليلة رأس السنة، والدق على الخشب خوفا من “صيبة العين” وغيرها… وهذه العادة “خميس السكارى” موضوعها الثمالة، فلقد كان الوثنيون في مثل هذا النهار الذي له اهميته في الدورة الفلكية بحسب حساباتهم، فلقد كانوا يثملون لطرد شبح الموت عنهم وإخافته ،ومن هنا اذ يمكننا ان نتذكر خوف كبار السن من شهر شباط فكم انهم يخافون منه ويصلّون ان يمر بخير ومنهم من كانوا يدهنون عتبة الباب بالزيت المقدس كل ليلة في شهر شباط كي لا يمر ملاك الهلاك ويخطف نفوسهم. هذا الخوف مصدره العادة الوثنية تلك . وقد أخبرني المؤرخ شفيق باشا من بلدة دوما (شمال لبنان) الذي هو قريب المؤرخ العظيم قسطنطين باشا الراهب المخلصي ان الغاية من إنشاء معبد وثني في بلدة دوما لإله الصحة كون بلدة دوما كان قد شيد فيها قصر الملكة دومنا الوثنية الرائعة الجمال فبنى لها والدها هذا المعبد خوفا من ان تمرض وتموت. كما نجد في ساحة هذه البلدة ناووس كاهن إله الصحة إسكلابيوس حتى يومنا هذا . كما وقد كان الوثنيون في مثل هذا النهار ايضا يقدمون المحرقات والذبائح للإله الصحة لكي يترأف بهم
.  هذه العادات مع مرور الوقت حافظ عليها الوثنيون حتى بعدما انتشرت الديانة المسيحية، فلقد بقيت رغم ذلك وتحورت مع الوقت. فعلى سبيل المثال نرى في المكسيك الاحتفال بيوم الموت حيث الطقوس بالاحتفال بحياة الأسلاف وبالاحتفاظ بجماجم الموتى وإبرازها في يوم الأموات لتمثل الموت نفسه وكذلك الولادة، وذلك قبل قرابة ثلاثة آلاف عام. وفي بلدان أخرى كثيرة عادات محلية تتعارض وبشدة مع حضارة الإيمان المسيحي ولكن بقيت كفلكلور محلي يحتفل به تراثيا. كما ان كلمة كرنفال ” karnaval “هي كلمة لاتينية karna = لحم. وval = رفع . اي “رفع اللحم “عن الموائد او الامتناع عن أكل اللحم، وهي فترة فرحة ومهرجانات تقام في دول العالم وخصوصاً في دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والأرجنتين في الفترة التي تسبق الصوم. كما ونرى أيضا في تراث الكنيسة الغربيةfat Tuesday أي نهار الثلاثاء الذي قبل الصوم إذ ان الصوم في الكنيسة الغربية يبدأ نهار الأربعاء فيكون نهار الثلاثاء مخصص لوداع الشرب وأكل اللحوم ،وهذه أيضا عادة موروثة من تقاليد شعبية غير كنسية دخلت على التقليد المسيحي في الغرب . اما خميسنا هذا مع اندماجه بالحضارة المسيحية درجت العادة فيه ان يودع شرب الكحول قبل فترة الصيام المبارك، وهو يقع في اسبوع مرفع اللحم وليس اسبوع مرفع الجبن اي الخميس الفائت كون هذا الخميس يقع في اسبوع التعويضات اي اننا نصوم في هذا الأسبوع الذي يقع قبل الصيام الكبير بدلا من أيام السبوت والآحاد التي لا يجوز فيها الصيام خلال كل فترت الصوم الفصحي حسب التقليد الشرقي .اغلب الكنائس الشرقية كان تقليدها يحتوي على مرفع الزفر(اللحم) ومرفع البياض ولكن بحكم تأثير الكنيسة اللاتينيّة على الطوائف الشرقية تخلّت  الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة بعضًا من تقاليدها وأختُصِر مرفعا اللحم والجبن بمرفع واحد قبل بدء الصوم مباشرة ,فانتقل خميس السكارى عند بعض الكنائس الشرقية للإسبوع الذي يقع مباشرة قبل الصيام.
حُدِّد في الزمان المنصرم أن يكون يوم السكارى “الخميس” كون نهار الجمعة هو يوم للصيام لا يجوز الاحتفال فيه والسبت الواقع قبل مرفع اللحم هو سبت الراقدين إذ نذكر ونصلي فيه لجميع من رقدوا بالرب والأحد هو يوم الرب، لذا وقع الاختيار على الخميس فجُعِل مسك الختام. ومن الأقوال التي كانت شائعة قديما في فلكلور هذا اليوم أنه يتوجب على رجال القرية وخصوصا من الشباب المتزوجين او العزاب تناول الخمر ( العرق ) وهو المشروب الروحي الوحيد الذي كان متوفرا في تلك الايام ، علما انه كان يـُحَضـَّر ويـُصَنـَّع في بيوت القرية ، فنادرا ما كنت تجد دارا يخلوا من هذا المشروب ، فتعمر الموائد خصوصا باللحم المشوي والقاورما وكل ما هو زفر، الذي يكون مخزون في الدار والذي يتوجب التخلص منه خلال هذه الايام قبل الصوم ، ويتزاور الاصدقاء والاقارب لعقد جلسات السمر في هذه الليلة التي سوف تطول ايام عودتها ، لانهم مقبلون على الصوم .كما كانوا يقولون او هو شائع انه من لا يتناول الخمر في مثل هذا اليوم يسقط اقرب المحبوبين إليه من سطح الدار ، فالمتزوج يقال له سوف تسقط زوجته وان كانت ستحمل طفلا بعد فترة الصيام ستخسره ، والخاطب خطيبته ، والعازب حبيبته إذا كان يحب ، أو أمه أو أخته ، وطبعا هذا الادعاء بعيد عن الحقيقة موروث من المعتقدات الوثنية ولكن يستخدمه البعض كذريعة لإرضاء نهمهم في شرب الخمر ، ولأنهم ايضا سوف يبتعدون عن تناوله طيلة ايام الصوم الكبير ، حيث لا يحل شرب الخمر خلال ايام الصوم ، كونه يعبر عن الفرح وهو مخالف لما يذهب اليه الصوم ، وتعليم الكنيسة يرفضه ايضا .وهناك من كانوا يعيّرون بعضهم البعض اذا أصابهم مكروه ويقولون بالعامية “ربطو المرفع” او “لبطو المرفع” كونه لم يستعد له جيدا ..وهذه كلها تقاليد جاهلية نتذكرها في سبيل التسلية فيما بيننا، أن الكنيسة ليست ضد اجتماع العائلة بفرح، على ألا تصبح العادات مبالغاً بها، إلى حد السّكر ونسيان الذات فقليل من الخمر يفرح قلب الانسان. وبعيداً عن العادات الوثنية، معنى الصوم هو تأكيد أن تعلّقي بالرب أقوى من تعلّقي بأي شيء آخر، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلِّ كلمةٍ تخرج من فم الله.
الأب جيرارد أبي صعب
كل خميس سكارى وانتم بخير
 
]]>