الثلاثاء, مايو 28, 2024
No menu items!

"My sheep hear my voice,
and I know them, and they follow me."
John 10:27

Homeالفصحرسالة الفصح المجيد لعام ٢٠٢٠

رسالة الفصح المجيد لعام ٢٠٢٠

<![CDATA[

المطران إبراهيم مخايل إبراهيم بنعمة الله
راعي أبرشيَّة كندا للروم الملكيِّين

إلى قُدْسِ الآباء ِالأجلَّاء
والرهبان والراهبات والشمامسة والمؤمنين
وأصدقاء أبرشَّيَّة المخلّص الملكيِّة المُباركة من الله
2020-03-28

المسيح قام! حقّا قام.

الأَخَواتُ والإِخوةُ الأَحَّبَّاءُ جدًّا في المسيح، الأَصدقاءُ الأعزَّاءُ،
ها نحن قد شارفنا على نهاية زمنِ الصَّوم الكبير، زمنِ التَّقوى والخشوعِ الذي يهيِّئنا للآلامِ المقدَّسةِ والقيامةِ المجيدةِ. بالنسبة إِلينا نحن المعمَّدين، فقد اتّخذ هذا الزمن الوفير بالنّعم والبركات منحًى مأساويَّا غير متوقَّعٍ ومُثقِلًا العقول خاصَّة، وصاعقًا الأرواح في كلِّ أنحاء العالم.
عَقِبَ تَفشِّي جائحةِ ڤيروس كورونا “COVID 19″، والتزامًا بتوجيهات السُّلُطات الفيدراليَّة وسائر المقاطعات ومؤسَّسات الصِّحَّة العامَّةِ ومجمعيِّ أساقفة كندا وكيبك الكاثوليك، واحترامًا للتَّعليماتِ بوجوب الحجرِ الصِّحيِّ، فقد امتنعنا عن الاحتفال بالذَّبيحة الإلهيَّة في الكاتدرائيَّةِ، وفي كلِّ كنائسنا. ونعلِّقُ كلَّ التَّجمُّعات الرَّعويَّة أيضًا ونتجنَّب اقترابَ الأشخاص مِنْ بَعْضِهِم، وأيَّ نشاطٍ جماعيٍّ.
لقد كان هذا الزَّمنُ زمنَ تلاوةِ الصَّلوات الجميلةِ وترنيمِ أناشيدِ التَّوبة أمامَ الله العليِّ القديرِ، وزمنَ ترتيلِ صلاةِ المدائحِ لذكر العذراءِ مَريمَ؛ أُمِّ الله وأُمِّنا. أمَّا اليوم، فقد تحصَّنَ كلٌّ منَّا في بيته ليعيشَ وَحدةً قسريّةً، لكن بدافعِ الواجب والحيطة والفطنة، لِكي يخفِّفَ من وطأة هذه الوحدةِ ويعيشَ بسلامٍ. يقول القدِّيس يوحنّا السَّلَّمي (579-649): ” تقوم حياةُ التوَّحدِ على العيشِ في حضرةِ الله دائمًا”. لذا، في غمرة وحدتي حاضرٌ هو اللهُ، ولا يهملُني أبدًا إذ يَميلُ هو إلى مَنْ يتَّكلُ عليه. ماذا يفعلُ الله عندما يسكنُ عندي؟ أسمعُه يكلِّمني، يُصغي إليَّ، يُشدُّدني. فالله دؤوبٌ في العملِ لا يكلُّ عن إيقاظنا ونفْحِ نَسْمةِ الحياة فينا.
في واقع الحالِ، وبحسبِ تقاليدنا، فإنَّ كلَّ ناسكٍ يختارُ التوَّحدَ ليتسنَّى له تأمُّلُ اللهِ وسماعُ صوتِه والتحدُّثُ إليه. تمامًا كما كَتَب إيفاﭼر البنطي (346-399): “إنَّ الرَّاهبَ المتوَحِّدَ هو ذاك الذي فصلَ نفسهُ عنِ الجميع كي يتَّحدَ بالجميع”. أن يصيرَ منفصلًا ومتَّحدًا بالوقت عينه. فهذا امتياز يمنحُه اللهُ لأولئك الذين استقبلوه في حياتهم فقط. فالحريَّة الحقيقيَّة هي: أن نتركَ الله يعملُ فينا.
أيُّها المؤمنون والأصدقاء الأعزَّاء،
من عمق وحدتي أتّحدُ معكم جميعًا ومع كلِّ واحدٍ منكم، وأرفعُ صلاتي من أجل أولئك العاملين في الخطوط الأماميَّةِ والذين يوفِّرون لنا الخَدَماتِ الأساسيَّةِ، وبشكل خاصٍّ من أجلِ أعضاء الطّاقم الصِّحيِّ الذين يعتنون مباشرةً وبشجاعةٍ بضحايا فيروس كورونا عدوِّ الحياة البشريَّةِ اللامنظور. وأتَّحدُ مع كلِّ الذين يطبِّقونَ بدقَّةٍ وحكمةٍ فضيلةَ الحجر الصِّحيِّ والتباعدَ المكاني والعزلَ الذاتي.
أتَّحدُ أيضًا مع كهنتي الذين برهنوا عن عظمة عطيَّةِ الذَّات وأعمالِ الرّحمة لجهة تأمين التَّأييد والعَضدِ والعنايةِ الجيِّدةِ بالمؤمنين دون هوادةٍ. معًا نصلِّي من أجلِ بنات رعايانا وأبنائنا كي نكونَ بمحبَّةِ المسيحِ يسوعِ أَكثرَ قُربًا منهم. أشكرُهم من كلِّ قلبي على أمانتهم وغيرتهم على كهنوت خدمةِ المحبَّةِ الإنجيليَّة. ِ
حينما احتفلتُ بالذَّبيحةِ الإلهيَّةِ آخرَ مرَّةٍ في الكاتدرائيَّةِ، وكانت خاليةً من المؤمنين، خالجَني حزنٌ عميقُ في نفسي من هَوْل التَّداعياتِ المدمِّرةِ لهذه الجائحةِ.
لقد سمعنا في السابع والعشرين من شهر آذار 2020 قداسةَ الحَبْرِ الأعظمِ فرنسيس الطوباويِّ يصلِّيِ بحرارةٍ وحيدًا من ساحةِ القديِّس بطرس حين منحَ المؤمنين بركةً إستثنائيّة Urbi Et Orbi: ” يبدو أنَّ المساءَ قد حلَّ منذ أسابيع. لقد اشتدَّ الظَّلامُ الدَّامسُ على ساحاتنا وشوارعنا ومُدننا، واستولى على حياتنا وملأَ كلَّ شيءٍ بصمتٍ يصمُّ الآذان، وبفراغٍ مُقفرٍ يشلُّ كلَّ شيء عند مروره. نشعرُ به في الهواء، ونتحسَّسهُ في كلِّ عمل، وتعبِّر عنه النَّظرات. وجدنا أنفسَنا خائفين وضائعين “. من ثمَّ تابع قداسة البابا: “أبهَرَنا التَّسرُّعُ. لم نتوقَّفْ أمامَ نداءاتِك، ولم نستيقظْ إزاءَ الحروب والظُّلم المالئِ الأرض، ولم نستمعْ إلى صرخةِ الفقراءِ وصرخةِ كوكبنا المريضِ للغاية. استمرَّينا دون رادعٍ، ظانِّين أنَّنا سنحافظُ دومًا على صِحَّةٍ جيِّدةٍ في عالمٍ مريضٍ. والآن، بينما نحن في بحر هائجٍ، نناجيك: “إستيقظ يا ربُّ”. أنت تطلبُ منَّا ألَّا نخاف. لكن إيمانَنا ضعيفٌ، ونحن خائفون. لكن أنت يا ربُّ لا تتركنا تحت رحمةِ العاصفة. رَدِّد مجدَّدًا: لا تخافوا) (متى 28، 5). ونحن، مع بطرس، نلقي علَيك جَميعَ هَمِّنا فإِنَّك تُعنى بِنا” (را. 1 بط 5، 7).
يا أحبَّائي في المسيح،
“نحن خائفون”، كما يقولُ قداسةُ البابا. اختبارُ الخوفِ في ظروفٍ مماثلةٍ لهو خاصَّةُ الطبيعةِ البشريَّةِ. لكن من غير الطَّبيعي أن نتركَ حياتنا فريسةً للخوفِ والسُّخطِ. لأنّنا نحن المعمَّدين قد تحرَّرنا بالإيمان والثِّقة والرجاءِ من الخوف.
لا تخافوا! لأنَّ يسوعَ معنا، هناك في عَيْن العاصفةِ. إليه نصرخُ معَ صاحبِ المزامير: ” إنِّي وَلَو سلكتُ في وادي ظلالِ الموتِ، لا أخافُ سوءً لأنَّك معي. عصاك وعكَّازُك هما يُعزِّيانني”. يعملُ الربُّ من ناحية، ومن ناحيةٍ أُخرى يسألُنا أن نعملَ ما بوسعنا. أن نعيشَ بإيمانٍ أوقاتِ الخطرِ المحدقِ بنا. بالتَّأكيد، لا بدَّ لنا من أن نتَّبع بحكمةٍ وحزمٍ توجيهاتِ السّلامةِ والأمانِ، متنبّهين دائمًا لضرورة اللجوءِ إلى الله مخلِّصنا الذي لا يتركنا أبدًا، بل يسارعُ إلى حمايتنا في كلِّ مرَّةٍ نضرَعُ إليه بثقةٍ غيرِ متزعزعةٍ.
الأصدقاءُ الأعزَّاءُ،
أدعوكم بإلحاحٍ وإِصرارٍ أبويِّيْنِ في هذه المرحلةِ الصَّعبة ِخاصَّةً للتَّفرُّغِ والصَّلاةِ مجتمعين وطالبين من الله المغفرةَ عن كلِّ الأَخطاءِ بحقِّهِ، وبحقِّ القريب والذَّات خاصَّةً، وَلنضرعَ إليه تعالى كيما يباركُ العلماءَ الذين كرَّسوا ذواتهم للبحثِ عن أدوية ولقاحٍ للقضاء على هذا الڤَيروس المدمِّر والمخرِّب بأذًى باهظٍ، ويساعدون ضحاياه للتَّعافي والمثولِ إلى الشفاءِ، ونشكرَهُ بكلِّ حمْدٍ وامتنانٍ.
كما أودُّ أن أقترحَ عليكم ما يلي: بما أنَّ كلَّ أفرادِ العائلةِ مجتمعين معًا، صغارًا وكبارًا وشبَّانًا، عِوضًا عن جلوسنا مسمَّرين قبالةَ التِّلفاز، أو سائحين بما تُقدِّمُ لنا هواتفُنا الجوَّالةُ، لنبادرَ إلى حوارٍ بنَّاءٍ أو إلى مشاركةِ بعضنا بعضًا ذكرياتنا العتيقة عن ثَبَاتِنَا ومواجهتنا محنًا سابقةً. إنَّها طريقةٌ ناجعةٌ لتمتين أواصرِ التَّعاون والتَّرابطِ العائليَّةِ.
من ناحية أُخرى، تفكُّروا في الكتب المقدَّسةِ: “لأَنَّهُ حيثُما اجتمعَ اثنانِ او ثَلاثةٌ باسْمي، فأَنا أَكونُ هناكَ، في وَسْطِهمْ”. وبالتَّالي تعود بيوتُنا كنائسَ لنا تمامًا كما كانت في أوقاتِ موجاتِ الاضِّطهاد، عالمين أنَّ الكنائسَ لا يمكنُ حدُّها بأمكنةٍ معيَّنةٍ أو حصرُها ببناءٍ مميَّزٍ يسهُلُ غلقُ أبوابهِ. ولأنَّ الكنيسةَ “جَسَدُ المسيحِ”، وهو جسدٌ حيٌّ؛ عائلةٌ من المؤمنين تتَّحدُ روحيًّا باسم المخلِّص. ولأنَّ كنيستنا حيَّةٌ، فلا يسعُنا إلَّا أن نبقى ساهرين ونشيطين روحيًّا.
جميع كهنةِ الأبرشيَّةِ في كندا قد تفانَوْا ليحتفلوا بالذَّبيحةِ الإلهيِّةِ، وليقيموا الصَّلَواتِ، والمشاركاتِ الإنجيليَّةَ والأحاديثَ الروحيَّةَ متَّحدين مع كلِّ المؤمنين عبر مختلفِ شبكات التَّواصلِ الإجتماعيِّ وتطبيقات التَّشاركِ الأُخرى. كما وأنَّ كلَّ نشاطاتِ الأولادِ والأحداثِ والشبيبةِ مستمرَّةٌ ومتواصلةٌ عبر أَثير شبكةِ الإنترنت.
أخواتي وإخوتي،
” إذا كان الله معنا، فمَنْ علينا”! ولا حتَّى ذلك الڤَيروسُ الشرِّيرُ الممقوتُ. إنَّه سيُشَلُّ وينعدمُ بيمين الله الكلِّيِّ الصَّلاحِ والحبِّ والرَّحمةِ، وبقلبِه العطوفِ المملوءِ حنانًا ورأفةً. لا يمكنُ لهذا الڤيروسِ أن يمنعنَا من الاحتفال بقيامةِ ربِّنا يسوعِ المسيحِ؛ بالفصحِ المجيدِ، عيدِ الأعيادِ وموسمِ المواسمِ. سنحتفلُ بقيامةِ المسيحِ، لكنْ بحسبِ تدابيرِ الطوارىء، وبالحفاظِ على تألُّق بهاءِ احتفالاتنا الرُّوحيِّ. حتَّى إبَّانَ عمقِ عزلتنا ووحدتنا، يبقى حدثُ القيامةِ التي يرتكز عليها إيمانُنا، عظيمًا ومجيدًا.
لقد سبق للقدِّيس بولس أنَ أكدّ: “مِنْ دونِ الإيمانِ بالقيامَةِ، إيمانُنَا كلُّهُ باطل”. فيقودُنا إيمانُنا هذا إلى تغييرٍ أصيلٍ وجذريٍّ، ويعبُر بنا نحن الخطأةَ من حالةِ العبوديَّةِ والآلامِ والموتِ إلى حالةِ بنوَّةِ القيامةِ والخلاصِ؛ ثمرةِ نعمةِ قيامةِ المسيح.
كي تصبحَ قيامةُ المسيح قيامتَنا الخاصَّةَ، لا بدَّ لنا من أن نعبُرَ من حالةِ الخطيئةِ إلى حالة النِّعمةِ. من واقعِ الخوفِ إلى قوَّةِ الثِّقةِ، متقبِّلين الخيرَ والصَّلاحَ قَطْعًا، ورافضين الشرَّ بعيْنه. وأَنَّ ضررَ الشرِّ لا يختزلُهُ ضرَرٌ يأتى من ڤيروس، حتَّى ولو تحوَّل إلى جائحةٍ. لأنَّ الشرَّ الذي يتسبَّبُ بهلاك النُّفوس أشدُّ خطرًا وفتكًا.
اللَّهُمَّ اجعلْ قيامةَ المسيحِ شفاءً حقيقيًّا لعالمنا الْكَرِبِ الجريحِ. اللَّهُمَّ قوِّي وعزِّز وأَيِّد كنيستَنا وأبرشيَّتَنا ورعايانا وعائلاتِنا وآباءَنا وأُمَّهاتِنا وأولادَنا. اللَّهُمَّ ساعدْ مجتمعَنا ليستقبلَ الصَّلاحَ والخيرَ، ويرذلَ الشرَّ ويمحيَ كلَّ الخلافاتِ والإنقساماتِ، ويختارَ طريقَ الغُفرانِ والمصالحة، طريقَ الوحدةِ والشَّراكة فيما بيننا ومعك أيُّها القديرُ، ويتَّبعَ طريقةَ حياةٍ جديدةً، حياةِ بُشرى الإنجيلِ السَّارَّةِ، حياةِ القيامةِ والملكوتِ.
لِيَكُنْ هذا العيدُ مجيدًا لكم جميعًا وللعالم بأسرهِ. حفظَكم الله من كلِّ شرٍّ، ووهبَكم صفاءَ الفرحِ والسلامِ وقِمَّة النَّجاح، ومنحَكَم حياةً مديدةً ملؤها الصِّحَّة.
“يا ربَّ القوَّاتِ كُنْ مَعَنَا. فَلَيسَ لَنَا في الضِّيقاتِ مُعِينٌ سِواكَ. يَاربَّ القوَّاتِ ارحمْنا “.
لِيحْمِيَنا اللهُ وَلْتَحْفظَنَا أُمُّهُ القدِّيسةُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ تَحْتَ سِتْرِ كَنَفِهَا، فَلَا تَنْسَانَا. آمين.
المسيح قام! حقّا قام.

المطران إبراهيم مخايل إبراهيم،
راعي أبرشيَّة كندا للروم الملكيِّين.

]]>
RELATED ARTICLES

Most Popular