Homeإنجيل الأحدتأمل الأحد الثاني بعد العنصرة. دعوة الرسل

تأمل الأحد الثاني بعد العنصرة. دعوة الرسل

«سأجعلكم صيّادي الناس»
(متى 4: 18-23)

يروي هذا النص الإنجيلي بداية كرازة يسوع، ويُظهر كيف دعا تلاميذ ومساعدين له لينطلق بهم في رسالته. إنه يدعوهم ليؤسس معهم كنيسته ويحقق بهم عمله على الأرض، ولا سيما بعد صعوده.

ولهذا يصرخ بولس الرسول قائلًا:

«كيف يؤمنون إن لم يسمعوا؟ وكيف يسمعون إن لم يُبشَّروا؟ وكيف يُبشِّرون إن لم يُرسَلوا؟»

هذه الكلمات الصريحة من بولس الرسول، وقبلها دعوة يسوع للتلاميذ، تدفعنا إلى التفكير والتأمل بعمق في بعض الأسئلة المهمة:

ما هي الدعوة؟ وإلى مَن هي موجّهة؟
كيف وأين نتلقى الدعوة أو نسمعها؟
وهل دعوتنا جميعًا واحدة أم متنوعة؟
وأخيرًا، ما هو جوابنا الشخصي عن كل هذه الأسئلة؟

تبدو «الدعوة» للبعض وكأنها هبة خاصة يوجّهها الله إلى فئة من «المختارين»، كما تبدو على قدر كبير من السمو والقداسة. وهذان الأمران قد يقوداننا بسهولة إلى اعتبارها غير موجّهة إلينا!

وقد نرى أن دورنا في الكنيسة، في أفضل الأحوال، يقتصر على الالتزام بأداء الواجبات التي تحفظنا في صف المؤمنين الملتزمين، أو في صف المشجّعين لهؤلاء «المختارين» على قبول دعوة الله لهم.

لكن الدعوة هي للجميع!

وهذه حقيقة لا بد من الاعتراف بها.

فأمثال الرب واضحة، كمثل الزارع الذي يبذر بالتساوي على مختلف أنواع الأرض، على الصخر كما على الأرض الصالحة. وكذلك يبيّن مثل المدعوّين إلى العرس وإلى العشاء أن الدعوة موجّهة إلى الجميع.

والرب يسوع يوضح أن:

«المدعوّين كثيرون، والمختارين قليلون».

وهذا الاختلاف لا يعود إلى الداعي، أي الرب، بل إلى رفض بعض المدعوّين دعوة سيدهم ونداءه.

فالتمايز ليس في محبة الله أو في دعوته، بل في استجابة الإنسان لها.

الله يدعو الجميع، وهذا ما نسمّيه في الكنيسة الكهنوت الملوكي العام.

ويوم نُعمَّد ونُمسح بالميرون، نكون قد أعلنا أمام الكنيسة أننا قبلنا هذه الدعوة وصرنا:

«أمّة مقدسة وكهنوتًا ملوكيًا».

وهكذا ينادي بولس الرسول أهل رومية في رسالته، ويسميهم:

«الذين دعاهم الله ليكونوا قديسين».

فالحياة المسيحية هي دعوة بطبيعتها، لأنها حياة بالروح، والروح يقودنا حيث يشاء.

الدعوة إذًا موجّهة إلينا وإلى الجميع.

لكن الشعور بهذه الدعوة والإحساس بها قد يغيبان عن البعض مرات كثيرة.

نشعر بالدعوة وننتبه إليها عندما تتم، في لحظة ما، مواجهة حقيقية بين الله وبيننا، بحيث لا نعود نخاطب الله بصيغة «هو»، بل بصيغة «أنت».

نواجه دعوتنا المنسية عندما يبدأ الله، في لحظة ما، بأخذ مكانه الحقيقي في داخلنا؛ فنعرفه في عظمة سره ورسالته، وننتبه إلى أن لنا دورًا في رسالته لأنه شاء أن يضع جزءًا منها على عاتقنا.

الرب يسوع هو المرسِل.

لقد أرسل كل من التقاهم تقريبًا بعد قيامته. وكانت ظهوراته بعد القيامة، في جوهرها، لقاءات إرسال ورسالة.

وهذا التعرّف إلى دورنا الحقيقي كمدعوّين في الكنيسة ينتظر تلك اللحظة الواعية.

وهذا أيضًا ما تشير إليه كلمة «كنيسة» في أصلها: الجماعة التي اجتمعت لأنها لبّت دعوة السيد.

هناك، في الواقع، دعوات خاصة ومباشرة نعرفها من تاريخ الكتاب المقدس، مثل دعوة بولس الذي شاءه السيد:

«إناءً مختارًا له ليحمل اسمه إلى الأمم».

وهناك أيضًا دعوات مميزة لبعض الأنبياء، مثل موسى وأشعيا وأرميا، وكذلك لبعض القديسين فيما بعد.

وهذه الدعوات تعني تكليف هؤلاء المدعوّين بمهمة خاصة في لحظة معينة من التاريخ، ترى عناية الله أنهم مؤهّلون للقيام بها.

أما الدعوة إلى الخدمة وممارسة كهنوتنا الملوكي فهي دعوة عامة ننالها في الكنيسة، ونتلقاها بالتربية، وندرك حقيقتها من خلال التعليم الديني، ونحمل مسؤوليتها في اللحظة التي نفهم فيها أننا لسنا مجرد منتسبين إلى الكنيسة، بل مسؤولون فيها أمام الله.

وهكذا، عندما وجد الرسل حاجة إلى الخدمة، أقاموا سبعة شمامسة واختاروهم من بين المشهود لهم، من دون أن يكون هؤلاء السبعة قد تلقّوا «دعوة» مباشرة من السماء.

وهل توجد دعوة إلى الخدمة أوضح للمسيحي من شعوره بحاجة الكنيسة إلى خدّام، ومن حاجته الشخصية إلى أن يعيش إيمانه بكماله لا بصورة مجتزأة؟

وهكذا أيضًا كان خدّام الهيكل في العهد القديم، أي سبط اللاويين، يتوارثون خدمتهم ولم يكن كل واحد منهم يتلقى دعوة إلهية فريدة وخاصة.

متى يدعونا الله؟

إنه سؤال غريب بعض الشيء.

لقد سبق الله ودعانا جميعًا.

لكن السؤال الحقيقي هو:

متى ندرك دعوة الله؟

ندركها عندما تحرّكنا روح المسؤولية، وحين توقظ حاجة الكنيسة حماسنا، وحين تنتزع محبة الله من داخلنا قرارًا ينتصر على كل تردّد.

فنحن، بهذا المعنى، مَن نختار أن نلبّي الدعوة العامة الموجّهة إلى الجميع، أي نحن الذين لا نرفض نداء السيد، بل نقبل دعوته.

ليس هناك ما يلغي حرية الإنسان في الاستجابة.

وحين نقبل، نصرخ مثل توما:

«ربي وإلهي».

فيغدو الله بالنسبة إلينا ليس فقط «الله»، بل «إلهنا».

وإذا كنا جميعًا مدعوّين، فعلينا أن ننتبه أيضًا إلى تنوّع المواهب في الدعوة.

فالجميع مدعوّون ليكونوا قديسين ومكرّسين للرب في كهنوتهم الملوكي، لكن طرق تحقيق هذه الدعوة متعددة.

ويعدّد بولس الرسول المواهب المختلفة في جسد المسيح الواحد، فيقول إن الله جعل البعض معلّمين والبعض أنبياء… وكلهم لخدمة الجسد الواحد.

ولذلك، إلى جانب الكهنوت الملوكي العام، هناك الكهنوت الخاص.

في الكهنوت الملوكي يعطي الإنسان كل قلبه.

وفي الكهنوت الخاص، يعطي إلى جانب قلبه كل وقته وزمن حياته.

في لقاء الرب اليوم مع الصيادين، أي التلاميذ الأوائل، قال لهم:

«سأجعلكم صيّادي الناس».

وما تبدّل في الواقع لم يكن المهنة بحد ذاتها، بل الغاية.

ولهذا تعمّد يسوع أن يقول لصيادي السمك إنهم سيصيرون صيادي الناس.

فالتشديد لم يكن على الصيد نفسه، بل على الغاية: صار الناس مكان السمك.

كل المهن التي نمارسها نحن المسيحيين يمكن أن تصبح بمثابة شباك.

فإذا كنا نعمل في مهنتنا فقط لأجل أنفسنا، نبقى «صيادي سمك».

أما إذا كنا رسلًا في مهنتنا وأعمالنا، فإننا نصير «صيادي الناس».

فغاية العمل في المسيحية ليست فقط تأمين الحاجات وضمانات الحياة، بل أن نكون، من خلال أعمالنا، خدّامًا وشهودًا للرب.

كل الأعمال يمكن أن تصبح شباكًا نكسب بها الناس لله.

ومن بينها، بصورة خاصة، الكهنوت، كموهبة وطريق من طرق الخدمة والتكريس.

لا خيار لنا في مسألة أن نكون شهودًا أم لا، لأن الشهادة جزء من دعوتنا المسيحية. أما الخيار، فهو في الكيفية التي نشهد بها للرب، وفي الطريق الذي نختاره في حياتنا لنحقق هذه الشهادة.

ويحتل الكهنوت الخاص في الكنيسة مكانة مميزة بسبب طبيعته كخدمة كاملة ومتفرغة.

ليس الكهنوت الطريق الوحيدة للتكريس، لكنه طريق مميز وأساسي فيه.

فلا يجوز أن نظن أن مَن لا يختار الكهنوت في حياته يكون غير مكرّس للرب.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز، بحجة تعدد طرق التكريس وإمكان خدمة الرب في مختلف المهن، أن نقلّل من أهمية الكهنوت وفرادة دعوته كحياة مكرّسة للخدمة.

فالاختيار حر، والحرية تحتاج إلى كرامة أبناء الله.

«الحصاد كثير والفعلة قليلون».

هذه الآية، وغيرها من الآيات، تُشعل في داخلنا شعور الالتزام بحمل مسؤولية الخدمة في الكنيسة، لا من خلال المهن والأعمال فقط، وهذه خدمة مباركة، بل أيضًا من خلال اختيار مواهب وخدمات خاصة، بحرّيتنا، مدفوعين بحاجات الكنيسة، ومتطلبات الناس، وعطشهم إلى كلمة الله.

إن الدعوة موجّهة إلى الجميع، ويمكن أن يكون جوابنا بـ «نعم» من خلال طرق متعددة.

ومع ذلك، يلهب الروح أحيانًا قلوب بعض الشباب والنفوس، فيشاءون في لحظة مباركة أن يقولوا للسيد:

«يا رب، ها قد تركنا كل شيء وتبعناك».

ويردّدوا مع بطرس:

«إلى أين نذهب؟ فكلام الحياة الأبدية عندك».

آمين.

الأب جيرارد أبي صعب

RELATED ARTICLES

Most Popular